دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ١٧٠
«و لقد رأيت أبا عمرو الشيبانيّ يكتتب أشعارا من أفواه جلسائه ليدخلها في باب التّحفظ و التذكّر، و ربما خيّل إليّ أن أبناء أولئك الشعراء لا يستطيعون أبدا أن يقولوا شعرا جيّدا، لمكان أعراقهم من أولئك الآباء»، ثم قال: «و لو لا أن أكون عيّابا، ثم للعلماء خاصّة، لصوّرت لك بعض ما سمعت من أبي عبيدة، و من هو أبعد في و همك من أبي عبيدة».
و اعلم أنهم لم يبلغوا في إنكار هذا المذهب ما بلغوه إلّا لأنّ الخطأ فيه عظيم، و أنه يفضي بصاحبه إلى أن ينكر الإعجاز و يبطل التّحدّي من حيث لا يشعر. و ذلك أنه إن كان العمل على ما يذهبون إليه، من أن لا يجب فضل و مزيّة إلا من جانب المعنى، و حتى يكون قد قال حكمة أو أدبا، و استخرج معنى غريبا أو تشبيها نادرا، فقد وجب اطّراح جميع ما قاله الناس في الفصاحة و البلاغة، و في شأن النظم و التأليف، و بطل أن يجب بالنظم فضل، و أن تدخله المزيّة، و أن تتفاوت فيه المنازل.
و إذا بطل ذلك، فقد بطل أن يكون في الكلام معجز، و صار الأمر إلى ما يقوله اليهود و من قال بمثل مقالهم في هذا الباب، و دخل في مثل تلك الجهالات، و نعوذ باللّه من العمى بعد الإبصار.
[فصل: لا يكون لإحدى العبارتين مزيّة على الأخرى حتى يكون لها في المعنى تأثير]
لا يكون لإحدى العبارتين مزيّة على الأخرى، حتّى يكون لها في المعنى تأثير لا يكون لصاحبتها.
فإن قلت: فإذا أفادت هذه ما لا تفيد تلك، فليستا عبارتين عن معنى واحد، بل هما عبارتان عن معنيين اثنين.
قيل لك: إن قولنا «المعنى» في مثل هذا، يراد به الغرض، و الذي أراد المتكلم أن يثبته أو ينفيه، نحو أن تقصد تشبيه الرجل بالأسد فتقول «زيد كالأسد»، ثم تريد هذا المعنى بعينه فتقول: «كأنّ زيدا الأسد»، فتفيد تشبيه أيضا بالأسد، إلّا أنك تزيد في معنى تشبيهه به زيادة لم تكن في الأوّل، و هي أن تجعله من فرط شجاعته و قوة قلبه، و أنه لا يروعه شيء، بحيث لا يتميز عن الأسد، و لا يقصّر عنه، حتى يتوهّم أنّه أسد في صورة آدميّ.
و إذا كان هذا كذلك، فانظر هل كانت هذه الزيادة و هذا الفرق إلا بما توخّي في نظم اللفظ و ترتيبه، حيث قدّم «الكاف» إلى صدر الكلام و ركّبت مع «أن»؟ و إذا