دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ١٦٩
ذلك العمل و تلك الصنعة، كذلك محال إذا أردت أن تعرف مكان الفضل و المزيّة في الكلام، أن تنظر في مجرّد معناه، و كما أنّا لو فضّلنا خاتما على خاتم، بأن تكون فضّة هذا أجود، أو فصّه أنفس، لم يكن ذلك تفضيلا له من حيث هو خاتم، كذلك ينبغي إذا فضّلنا بيتا على بيت من أجل معناه، أن لا يكون تفضيلا له من حيث هو شعر و كلام. و هذا قاطع، فاعرفه.
و اعلم أنك لست تنظر في كتاب صنّف في شأن البلاغة، و كلام جاء عن القدماء، إلا وجدته يدلّ على فساد هذا المذهب، و رأيتهم يتشدّدون في إنكاره و عيبه و العيب به.
و إذا نظرت في كتب الجاحظ وجدته يبلغ في ذلك كل مبلغ، و يتشدّد غاية التشدد، و قد انتهى في ذلك إلى أن جعل العلم بالمعاني مشتركا، و سوّى فيه بين الخاصّة و العامّة فقال: «و رأيت ناسا يبهرجون أشعار المولدين، و يستسقطون من رواها، و لم أر ذلك قطّ إلا في راوية غير بصير بجوهر ما يروي، و و لو كان له بصر لعرف موضع الجيّد ممن كان، و في أي زمان كان. و أنا سمعت أبا عمرو الشّيباني، و قد بلغ من استجادته لهذين البيتين و نحن في المسجد الجامع يوم الجمعة، أن كلّف رجلا حتّى أحضره قرطاسا و دواة حتى كتبهما. قال الجاحظ: و أنا أزعم أن صاحب هذين البيتين لا يقول شعرا أبدا، و لو لا أن أدخل في الحكومة بعض الغيب، لزعمت أن ابنه لا يقول الشعر أيضا، و هما قوله: [من السريع]
لا تحسبنّ الموت موت البلى
و إنّما الموت سؤال الرّجال
كلاهما موت، و لكنّ ذا
أشدّ من ذاك على كلّ حال