دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ١٥٥
كذلك، و الذي قبله من قوله: «إنما نحن مصلحون»، حكاية عنهم. فلو عطف للزم عليه مثل الذي قدّمت ذكره من الدخول في الحكاية، و لصار خبرا من اليهود و وصفا منهم لأنفسهم بأنهم مفسدون، و لصار كأنه قيل: قالوا: «إنما نحن مصلحون، و قالوا إنّهم المفسدون»، و ذلك ما لا يشكّ في فساده.
و كذلك قوله تعالى: وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَ لكِنْ لا يَعْلَمُونَ [البقرة: ١٣]، و لو عطف: «إنّهم هم السّفهاء» على ما قبله، لكان يكون قد أدخل في الحكاية، و لصار حديثا منهم عن أنفسهم بأنهم هم السّفهاء، من بعد أن زعموا أنهم إنّما تركوا أن يؤمنوا لئلّا يكونوا من السفهاء.
على أنّ في هذا أمرا آخر، و هو أن قوله: «أ نؤمن» استفهام، لا يعطف الخبر على الاستفهام.
فإن قلت: هل كان يجوز أن يعطف قوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ على «قالوا» من قوله: «قالوا إنّا معكم» لا على ما بعده، و كذلك كان يفعل في «إنّهم هم المفسدون»، و «إنّهم هم السّفهاء»، و كان يكون نظير قوله تعالى: وَ قالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَ لَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ [الأنعام: ٨]، و ذلك أنّ قوله: «و لو أنزلنا ملكا» معطوف، من غير شك، على «قالوا» دون ما بعده؟.
قيل: إن حكم العطف على «قالوا» فيما نحن فيه، مخالف لحكمه في الآية التي ذكرت. و ذلك أن «قالوا» هاهنا جواب شرط، فلو عطف قوله: «اللّه يستهزئ بهم» عليه، للزم إدخاله في حكمه من كونه جوابا، و ذلك لا يصحّ.
و ذاك أنّه متى عطف على جواب الشرط شيء «بالواو» كان ذلك على ضربين:
أحدهما: أن يكونا شيئين يتصوّر وجود كلّ واحد منهما دون الآخر، و مثاله قولك «إن تأتني أكرمك أعطك و أكسك»، و الثاني: أن يكون المعطوف شيئا لا يكون حتى يكون المعطوف عليه، و يكون الشّرط لذلك سببا فيه بوساطة كونه سببا للأول، و مثاله قولك: «إذا رجع الأمير إلى الدار استأذنته و خرجت»، فالخروج لا يكون حتى يكون الاستئذان، و قد صار «الرجوع» سببا في الخروج، من أجل كونه سببا في الاستئذان، فيكون المعنى في مثل هذا على كلامين، نحو: «إذا رجع الأمير استأذنت، و إذا استأذنت خرجت».
و إذا قد عرفت ذلك، فإنه لو عطف قوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ على