دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ١٥٤
الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [النجم: ٣- ٤]، أ فلا ترى أنّ الإثبات في الآيتين جميعا تأكيد و تثبيت لنفي ما نفي؟ فإثبات ما علّمه النبي صلى اللّه عليه و سلّم و أوحي إليه ذكرا و قرآنا، تأكيد و تثبيت لنفي أن يكون قد علّم الشعر و كذلك إثبات ما يتلوه عليهم و حيا من اللّه تعالى، تأكيد و تقرير لنفي أن يكون نطق به عن هوى.
و اعلم أنّه ما من علم من علوم البلاغة أنت تقول فيه: «إنه خفيّ غامض، و دقيق صعب» إلا و علم هذا الباب أغمض و أخفى و أدقّ و أصعب. و قد قنع الناس فيه بأن يقولوا إذا رأوا جملة قد ترك فيها العطف: «إن الكلام قد استؤنف و قطع عمّا قبله»، لا تطلب أنفسهم منه زيادة على ذلك. و لقد غفلوا غفلة شديدة.
و ممّا هو أصل في هذا الباب أنك قد ترى الجملة و حالها مع التي قبلها حال ما يعطف و يقرن إلى ما قبله، ثم تراها قد وجب فيها ترك العطف، لأمر عرض فيها صارت به أجنبية مما قبلها.
مثال ذلك قوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة: ١٥]، الظاهر كما لا يخفى يقتضي أن يعطف على ما قبله من قوله: إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [البقرة: ١٤]، و ذلك أنه ليس بأجنبيّ منه، بل هو نظير ما جاء معطوفا من قوله تعالى: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ هُوَ خادِعُهُمْ [النساء: ١٤٢]، و قوله:
وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللَّهُ [آل عمران: ٥٤]، و ما أشبه ذلك مما يردّ فيه العجز على الصّدر، ثم إنّك تجده قد جاء غير معطوف، و ذلك لأمر أوجب أن لا يعطف، و هو أن قوله: «إنما نحن مستهزءون»، حكاية عنهم أنهم قالوا، و ليس بخبر من اللّه تعالى، و قوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ، خبر من اللّه تعالى أنه يجازيهم على كفرهم و استهزائهم. و إذا كان كذلك، كان العطف ممتنعا، لاستحالة أن يكون الذي هو خبر من اللّه تعالى، معطوفا على ما هو حكاية عنهم، و لإيجاب ذلك أن يخرج من كونه خبرا من اللّه تعالى، إلى كونه حكاية عنهم، و إلى أن يكونوا قد شهدوا على أنفسهم بأنهم مؤاخذون، و أن اللّه تعالى معاقبهم عليه.
و ليس كذلك الحال في قوله تعالى: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ هُوَ خادِعُهُمْ و «مكروا و مكر اللّه»، لأن الأول من الكلامين فيهما كالثّاني، في أنه خبر من اللّه تعالى و ليس بحكاية. و هذا هو العلّة في قوله تعالى: وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ. أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَ لكِنْ لا يَشْعُرُونَ [البقرة: ١١- ١٢]، إنما جاء «إنّهم هم المفسدون» مستأنفا مفتتحا «بألا»، لأنه خبر من اللّه تعالى بأنّهم