دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ١٥٣
و لا شبهة في أن التشبيه بمن في أذنيه وقر أبلغ و آكد في جعله كذلك، من حيث كان من لا يصحّ منه السمع و إن أراد ذلك، أبعد من أن يكون لتلاوة ما يتلى عليه فائدة، من الذي يصحّ منه السمع إلّا أنه لا يسمع، إمّا اتفاقا و إما قصدا إلى أن لا يسمع.
فاعرفه و أحسن تدبّره.
و من اللطيف في ذلك قوله تعالى: ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف: ٣١]، و ذلك أن قوله: «إن هذا إلّا ملك كريم»، مشابك لقوله: «ما هذا بشرا» و مداخل في ضمنه من ثلاثة أوجه: وجهان هو فيهما شبيه بالتأكيد، و وجه هو فيه شبيه بالصفة.
فأحد وجهي كونه شبيها بالتأكيد، هو أنه إذا كان ملكا لم يكن بشرا، و إذا كان كذلك كان، إثبات كونه ملكا تحقيقا لا محالة، و تأكيدا لنفي أن يكون بشرا.
و الوجه الثاني أن الجاري في العرف و العادة أنه إذا قيل: «ما هذا بشرا، و ما هذا بآدميّ»، و الحال حال تعظيم و تعجّب مما يشاهد في الإنسان من حسن خلق أو خلق، أن يكون الغرض و المراد من الكلام أن يقال إنه ملك، و أنه يكنى به عن ذلك، حتى أنه يكون مفهوم اللفظ، و إذا كان مفهوما من اللفظ قبل أن يذكر، كان ذكره إذا ذكر تأكيدا لا محالة، لأنّ حدّ «التأكيد» أن تحقّق باللفظ معنى قد فهم من لفظ آخر قد سبق منك. أ فلا ترى: أنه إنّما كان «كلّهم» في قولك: «جاءني القوم كلّهم» تأكيدا من حيث كان الذي فهم منه، و هو الشمول، قد فهم بديئا من ظاهر لفظ «القوم»، و لو أنه لم يكن فهم الشمول من لفظ «القوم»، و لا كان هو من موجبه، لم يكن «كلّ» تأكيدا، و لكان الشمول مستفادا من «كلّ» ابتداء.
و أمّا الوجه الثالث الذي هو فيه شبيه بالصفة، فهو أنه إذا نفي أن يكون بشرا، فقد أثبت له جنس سواه، إذ من المحال أن يخرج من جنس البشر، ثم لا يدخل في جنس آخر. و إذا كان الأمر كذلك، كان إثباته «ملكا» تبيينا و تعيينا لذلك الجنس الذي أريد إدخاله فيه، و إغناء عن أن تحتاج إلى أن تسأل فتقول: «فإن لم يكن بشرا، فما هو؟ و ما جنسه؟» كما أنك إذا قلت: «مررت بزيد الظريف» كان «الظريف» تبيينا و تعيينا للّذي أردت من بين من له هذا الاسم، و كنت قد أغنيت المخاطب عن الحاجة إلى أن يقول: «أيّ الزيدين أردت؟».
و ممّا جاء فيه الإثبات «بإن و إلّا» على هذا الحدّ قوله عزّ و جلّ: وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَ ما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ [يس: ٦٩]، و قوله: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ