دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ١٤٩
في الحكم موجودا. فإذا قلت: «مررت برجل خلقه حسن و خلقه قبيح» كنت قد أشركت الجملة الثانية في حكم الأولى، و ذلك الحكم كونها في موضع جرّ بأنّها صفة للنكرة. و نظائر ذلك تكثر، و الأمر فيها يسهل.
و الذي يشكل أمره هو الضرب الثاني، و ذلك أن تعطف على الجملة العارية الموضع من الإعراب جملة أخرى، كقولك: «زيد قائم، و عمرو قاعد» و «العلم حسن، و الجهل قبيح»، لا سبيل لنا إلى أن ندّعي أن «الواو» أشركت الثانية في إعراب قد وجب للأولى بوجه من الوجوه. و إذا كان كذلك، فينبغي أن تعلم المطلوب من هذا العطف و المغزى منه، و لم لم يستو الحال بين أن تعطف و بين أن تدع العطف فتقول: «زيد قائم، عمرو قاعد»، بعد أن لا يكون هنا أمر معقول يؤتى بالعاطف ليشرك بين الأولى و الثانية فيه؟.
و اعلم أنّه إنما يعرض الإشكال في «الواو» دون غيرها من حروف العطف، و ذاك لأن تلك تفيد مع الإشراك معاني، مثل أنّ «الفاء» توجب الترتيب من غير تراخ، و «ثم» توجبه مع تراخ، و «أو» تردّد الفعل بين شيئين و تجعله لأحدهما لا بعينه، فإذا عطفت بواحدة منها الجملة على الجملة، ظهرت الفائدة. فإذا قلت: «أعطاني فشكرته»، ظهر بالفاء أن الشكر كان معقّبا على العطاء و مسبّبا عنه، و إذا قلت:
«خرجت ثم خرج زيد»، أفادت «ثم» أن خروجه كان بعد خروجك، و أنّ مهلة وقعت بينهما، و إذا قلت: «يعطيك أو يكسوك»، دلّت «أو» على أنه يفعل واحدا منهما لا بعينه.
و ليس «للواو» معنى سوى الإشراك في الحكم الذي يقتضيه الإعراب الذي أتبعت فيه الثاني الأوّل. فإذا قلت: «جاءني زيد و عمرو» لم تفد بالواو شيئا أكثر من إشراك عمرو في المجيء الذي أثبته لزيد، و الجمع بينه و بينه، و لا يتصوّر إشراك بين شيئين حتى يكون هناك معنى يقع ذلك الإشراك فيه و إذا كان ذلك كذلك، و لم يكن معنا في قولنا: «زيد قائم و عمرو قاعد» معنى تزعم أنّ «الواو» أشركت بين هاتين الجملتين فيه، ثبت إشكال المسألة.
ثم إنّ الذي يوجبه النظر و التأمّل أن يقال في ذلك: إنّا و إن كنّا إذا قلنا: «زيد قائم و عمرو قاعد»، فإنّا لا نرى هاهنا حكما نزعم أن «الواو» جاءت للجمع بين الجملتين فيه، فإنا نرى أمرا آخر نحصل معه على معنى الجمع. و ذلك أنّا لا نقول:
«زيد قائم و عمرو قاعد»، حتى يكون عمرو بسبب من زيد، و حتى يكونا كالنظيرين