دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ١٤٣
مسلوك، و الجهة التي منها تعرف غير معروفة، و أنا أكتب لك أصلا في «الخبر» إذا عرفته انفتح لك وجه العلّة في ذلك.
اعلم أن «الخبر» ينقسم إلى خبر هو جزء من الجملة لا تتم الفائدة دونه، و خبر ليس بجزء من الجملة، و لكنّه زيادة في خبر آخر سابق له. فالأوّل خبر المبتدأ، كمنطلق في قولك: «زيد منطلق»، و الفعل كقولك: «خرج زيد»، و كل واحد من هذين جزء من الجملة، و هو الأصل في الفائدة. و الثاني هو الحال كقولك: «جاءني زيد راكبا»، و ذاك لأن الحال خبر في الحقيقة، من حيث أنك تثبت بها المعنى لذي الحال كما تثبت بخبر المبتدأ للمبتدإ، و بالفعل للفاعل. أ لا تراك قد أثبتّ الركوب في قولك: «جاءني زيد راكبا» لزيد؟ إلا أنّ الفرق أنّك جئت به لتزيد معنى في إخبارك عنه بالمجيء، و هو أن تجعله بهذه الهيئة في مجيئه، و لم تجرّد إثباتك للركوب و لم تباشره به ابتداء، بل بدأت فأثبتّ المجيء، ثم وصلت به الركوب، فالتبس به الإثبات على سبيل التّبع لغيره، و بشرط أن يكون في صلته. و أمّا في الخبر المطلق نحو: «زيد منطلق» و «خرج عمرو»، فإنك أثبت المعنى إثباتا جرّدته له، و جعلته يباشره من غير واسطة، و من غير أن يتسبّب بغيره إليه.
و إذا قد عرفت هذا، فاعلم أن كل جملة وقعت حالا ثم امتنعت من «الواو»، فذاك لأجل أنك عمدت إلى الفعل الواقع في صدرها فضممته إلى الفعل الأول في إثبات واحد، و كل جملة جاءت حالا، ثم اقتضت «الواو» فذاك لأنك مستأنف بها خبرا، و غير قاصد إلى أن تضمها إلى الفعل الأوّل في الإثبات.
و تفسير هذا: أنك إذا قلت: «جاءني زيد يسرع»، كان بمنزلة قولك: «جاءني زيد مسرعا»، في أنك تثبت مجيئا فيه إسراع، و تصل أحد المعنيين بالآخر، و تجعل الكلام خبرا واحدا، و تريد أن تقول: «جاءني كذلك، و جاءني بهذه الهيئة»، و هكذا قوله: [من البسيط]
و قد علوت قتود الرّحل يسفعني
يوم قديديمة الجوزاء مسموم