دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ١٢٦
الحالين إثبات انطلاق قد سبق العلم به لزيد فليس الأمر كذلك، بل بين الكاملين فصل ظاهر.
و بيانه: أنك إذا قلت: «زيد المنطلق»، فأنت في حديث انطلاق قد كان، و عرف السامع كونه، إلّا أنه لم يعلم أ من زيد كان أم من عمرو؟ فإذا قلت: «زيد المنطلق»، أزلت عنه الشك و جعلته يقطع بأنه كان من زيد، بعد أن كان يرى ذلك في سبيل الجواز.
و ليس كذلك إذا قدّمت «المنطلق» فقلت: «المنطلق زيد»، بل يكون المعنى حينئذ على أنك رأيت إنسانا ينطلق بالبعد منك، فلم تثبته، و لم تعلم أزيد هو أم عمرو، فقال لك صاحبك: «المنطلق زيد»، أي هذا الشخص الذي تراه من بعد هو زيد.
و قد ترى الرجل قائما بين يديك و عليه ثوب ديباج، و الرجل ممن عرفته قديما ثم بعد عهدك به فتناسيته، فيقال لك: «اللابس الديباج صاحبك الذي كان يكون عندك في وقت كذا، أما تعرفه؟ لشدّ ما نسيت»، و لا يكن الغرض أن يثبت له لبس الديباج، لاستحالة ذلك، من حيث أن رؤيتك الديباج عليه تغنيك عن إخبار مخبر و إثبات مثبت لبسه له.
فمتى رأيت اسم فاعل أو صفة من الصفات قد بدئ به، فجعل مبتدأ، و جعل الذي هو صاحب الصفة في المعنى خبرا، فاعلم أنّ الغرض هناك، غير الغرض إذا كان اسم الفاعل أو الصفة خبرا، كقولك: «زيد المنطلق».
و اعلم أنه ربّما اشتبهت الصورة في بعض المسائل من هذا الباب، حتّى يظنّ أن المعرفتين إذا وقعتا مبتدأ و خبرا، لم يختلف المعنى فيهما بتقديم و تأخير. و مما يوهم ذلك قول النحويين في «باب كان»: «إذا اجتمع معرفتان كنت بالخيار في جعل أيّهما شئت اسما، و الآخر خبرا، كقولك: «كان زيد أخاك» و «كان أخوك زيدا»، فيظن من هاهنا أن تكافؤ الاسمين في التّعريف يقتضي أن لا يختلف المعنى بأن تبدأ بهذا و تثنّي بذاك، و حتى كأنّ الترتيب الذي يدّعى بين المبتدأ و الخبر و ما يوضع لهما من المنزلة في التقدّم و التأخّر، يسقط و يرتفع إذا كان الجزآن معا معرفتين.
و مما يوهم ذلك أنك تقول: «الأمير زيد»، و «جئتك و الخليفة عبد الملك».
فيكون المعنى على إثبات الإمارة لزيد، و الخلافة لعبد الملك، كما يكون إذا قلت:
«زيد الأمير» و «عبد الملك الخليفة»، و تقوله لمن لا يشاهد، و من هو غائب عن حضرة الإمارة و معدن الخلافة.