دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ١٠٥
و إذ قد بدأنا في الحذف بذكر المبتدأ، و هو حذف اسم، إذ لا يكون المبتدأ إلّا اسما، فإني أتبع ذلك ذكر المفعول به إذا حذف خصوصا، فإنّ الحاجة إليه أمسّ، و هو بما نحن بصدده أخصّ، و اللطائف كأنها فيه أكثر، و ممّا يظهر بسببه من الحسن و الرونق أعجب و أظهر.
و هاهنا أصل يجب ضبطه، و هو أن حال الفعل مع المفعول الذي يتعدّى إليه، حاله مع الفاعل. فكما أنك إذا قلت: «ضرب زيد»، فأسندت الفعل إلى الفاعل، كان غرضك من ذلك أن تثبت الضرب فعلا له، لا أن تفيد وجوب الضرب في نفسه و على الإطلاق. كذلك، إذا عدّيت الفعل إلى المفعول فقلت: «ضرب زيد عمرا»، كان غرضك أن تفيد التباس الضّرب الواقع من الأول بالثاني و وقوعه عليه، فقد اجتمع الفاعل و المفعول في أنّ عمل الفعل فيهما إنما كان من أجل أن يعلم التباس المعنى الذي اشتقّ منه بهما، فعمل الرفع في الفاعل، ليعلم التباس الضرب به من جهة وقوعه منه، و النّصب في المفعول، ليعلم التباسه به من جهة وقوعه عليه. و لم يكن ذلك ليعلم وقوع الضرب في نفسه، بل إذا أريد الإخبار بوقوع الضّرب و وجوده في الجملة من غير أن ينسب إلى فاعل أو مفعول، أو يتعرّض لبيان ذلك، فالعبارة فيه أن يقال:
«كان ضرب» أو «وقع ضرب» أو «وجد ضرب» و ما شاكل ذلك من ألفاظ تفيد الوجود المجرّد في الشيء.
و إذ قد عرفت هذه الجملة، فاعلم أنّ أغراض الناس تختلف في ذكر الأفعال المتعدّية، فهم يذكرونها تارة و مرادهم أن يقتصروا على إثبات المعاني التي اشتقّت منها للفاعلين، من غير أن يتعرّضوا لذكر المفعولين. فإذا كان الأمر كذلك، كان الفعل المتعدّي كغير المتعدّي مثلا، في أنك لا ترى له مفعولا لا لفظا و لا تقديرا.
و مثال ذلك قول الناس: «فلان يحلّ و يعقد، و يأمر و ينهى، و يضرّ و ينفع»، و كقولهم: «هو يعطي و يجزل، و يقري و يضيف»، المعنى في جميع ذلك على إثبات المعنى في نفسه للشيء على الإطلاق و على الجملة، من غير أن يتعرّض لحديث المفعول، حتى كأنك قلت: «صار إليه الحل و العقد، و صار بحيث يكون منه حل و عقد، و أمر و نهي، و ضرّ و نفع»، و على هذا القياس.
و على ذلك قوله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩]، المعنى: هل يستوي من له علم و من لا علم له؟ من غير أن يقصد النصّ على معلوم. و كذلك قوله تعالى هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ [غافر: ٦٨]، و قوله