البراهين القاطعة - الأسترآبادي، محمد جعفر - الصفحة ٣٢٣
فإذا ثبت أنّه فعل القلب وجب أن يكون عبارة عن التصديق ؛ لأنّ فعل القلب إمّا التصديق وإمّا المعرفة ، والثاني باطل ؛ لأنّه على ذلك التقدير يكون منقولا عن معناه اللغوي ، وكان على الشارع أن يبيّن النقل بالتوقيف كما بيّن نقل الصلاة والزكاة وأمثالهما ، ولو نقل لاشتهر اشتهار نظائره. بل كان هو بذلك أولى ، لكنّ الشارع لم يزد على أن قال : « الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته ». الحديث [١] كما نقلنا عنه ٩ آنفا.
والدليل على أنّ الأعمال خارجة عن الإيمان أنّه جاء الإيمان مقرونا بالعمل الصالح معطوفا هو عليه في غير موضع من الكتاب نحو : ( الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) [٢] ، و ( مَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً ) [٣]. وظاهر أنّ الشيء لا يعطف على نفسه.
وأيضا قد قرن الإيمان بضدّ العمل الصالح نحو : ( وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ) [٤] فأثبت الإيمان مع وجود القتال ، وظاهر أنّ الشيء لا يمكن اجتماعه مع ضدّه ولا مع ضدّ جزئه.
( والكفر عدم الإيمان ) عمّا من شأنه. وهذا معنى عدم تصديق النبيّ ٩ في بعض ما علم مجيئه به بالضرورة. والظاهر أنّ هذا أعمّ من تكذيبه ٩ في شيء ممّا علم مجيئه به ، على ما ذكر الإمام الغزالي ؛ لشموله الكافر الخالي عن التصديق والتكذيب.
وإلى هذا أشار بقوله : ( إمّا مع الضدّ أو بدونه ) يعني أنّ عدم الإيمان أعمّ من أن يكون مقارنا لضدّ الإيمان وهو التكذيب ، أو لا يكون مقارنا لضدّ الإيمان وهو التكذيب ، أو لا يكون مقارنا لضدّ الإيمان ، بأن يخلو عن كلا الضدّين.
واعتذار الإمام الرازي ـ بأنّ من جملة ما جاء به النبيّ ٩ أنّ تصديقه واجب في
[١] تقدّم في ص ٣٢١ ، التعليقة ٦. [٢] البقرة (٢) : ٢٥ ؛ آل عمران (٣) : ٥٧ ؛ النساء (٤) : ٥٧. [٣] التغابن (٦٤) : ٩ ؛ الطلاق (٦٥) : ١١. [٤] الحجرات (٤٩) : ٩.