البراهين القاطعة - الأسترآبادي، محمد جعفر - الصفحة ٢٩٧
( وفي وجوب التجديد إشكال ) قال بعض المعتزلة : إذا تاب المكلّف عن المعصية ثمّ ذكرها وجب عليه تجديد التوبة ؛ لأنّه إذا ذكر المعصية ولم يندم عليها كان مشتهيا لها فرحا بها وذلك إبطال للندم ورجوع إلى الإصرار [١].
وقال المصنّف : فيه إشكال ؛ لأنّا لا نسلّم أنّه لو لم يندم عليها إذا ذكرها لكان مشتهيا لها ؛ إذ ربما يضرب عنها صفحا من غير ندم عليها ولا اشتهاء لها ولا ابتهاج بها.
وكذا المعلول مع العلّة ـ أي فيه أيضا إشكال ـ فإنّه إذا صدرت العلّة عن المكلّف وجب الندم على العلّة مع المعلول ، كما إذا رمى فأصاب ، فإنّ الرمي علّة والإصابة معلولة له يجب الندم على الرمي والإصابة جميعا. وفيه إشكال ؛ لأنّ الإجزاء يحصل بالندم على الرمي.
( وكذا وجوب سقوط العقاب بها ) فيه أيضا إشكال. ذهب بعض المعتزلة إلى أنّه يجب على الله تعالى أن يسقط العقاب بالتوبة ، حتّى قالوا : إنّ العقاب بعد التوبة ظلم. واحتجّوا بأنّ العاصي قد بذل وسعه في التلافي والتدارك فيسقط عقابه ، كمن بالغ في الاعتذار إلى من أساء إليه يسقط ذنبه بالضرورة [٢].
واعترض بأنّ من أساء إلى غيره وهتك حرمته ثمّ جاء معتذرا لا يجب ـ بحكم العقل ـ قبول اعتذاره ، بل الخيرة إلى ذلك الغير إن شاء صفح وإن شاء جازاه.
( والعقاب يسقط بها لا بكثرة ثوابها ) اختلفوا في سقوط العقوبة ، فعند بعض المعتزلة بكثرة ثواب التوبة. وعند أكثرهم بنفس التوبة [٣]. واختاره المصنّف. واحتجّ عليه بأنّه لو كان بكثرة الثواب لما وقعت محبطة بدون الثواب لكنّها قد تقع.
وإلى هذا أشار بقوله : ( لأنّها تقع محبطة ) ولما بقي فرق بين التوبة المتقدّمة على
[١] حكاه التفتازاني عن القاضي والجبائي في « شرح المقاصد » ٥ : ١٦٩. [٢] حكاه عنهم العلاّمة في « مناهج اليقين » : ٣٦٣ ـ ٣٦٤ ؛ والتفتازاني في « شرح المقاصد » : ٥ : ١٦٥ ـ ١٦٦. [٣] حكاه عنهم العلاّمة في « مناهج اليقين » : ٣٦٤ ؛ والتفتازاني في « شرح المقاصد » : ٥ : ١٦٧.