موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٦٢
تعيين الخليفة حقّاً ولذلك حدّد الشورى في ستّة أشخاص. وأمّا أمير المؤمنين عليّ عليهالسلام فإنّه رضي بالأمر الواقع خوف فتنة الناس وعودتهم للجاهلية.
ومع هذا فكيف غضّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم الطرف عن هكذا مسألة حسّاسة للغاية، والخطر العميق المحدق بالرسالة، والناس قريبوا عهد بالجاهليّة، ولم يتقدّم إلى المسلمين بأطروحة لسلامة الأُمّة من تلك الأخطار المرتقبة بعد وفاته؟! حقّاً ليس بإمكاننا أن نجد أيّ توجيه أو تفسير نتقبّله لاتّخاذه هذا الموقف السلبيّ، ولعدم اهتمام رسول الإسلام بهذا الأمر، ولا نستطيع أن نتصوّر أنّه لم يكن يعني بأمر الدعوة بعده، ولم يكن يهتمّ بما يجري عليها بعد وفاته!
بل إنّ رسول اللّه كان - وهو في فراش الموت وآلام الأسقام تؤلمه بشدّة - يفكّر في الرسالة والأُمّة قلقاً على مستقبلها، بل كان هذا هو كلّ ما يشغل باله آنذاك، وفي تلك اللّحظات الحسّاسة التي كان كلّ الحاضرين - ومنهم عمر بن الخطّاب - يغطّون في حالة من البُهت والاضطراب العميق قال: ﴿ائتوني بدواة وكتف لأكتب لكم كتاباً لن تضلّوا به بعدي أبداً﴾[١]. إنّ محاولة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم هذه والتي اتّفق الفريقان على نقلها وصحّتها لهي خير شاهد على أنّ رسول اللّه في اللحظات الأخيرة من حياته كان يَحسّ بالمسؤوليّة عن مستقبل الإسلام، وأنّه كان يفكّر في الأخطار بعد وفاته، وأنّه لحفظ أُمّته من الانحراف ووقاية لها من الانحطاط حاول أن يريها الدّرب للمستقبل، إذ كان هو أكثر البشر فهماً وأعمقهم دركاً. وهنا ينبغي الالتفات إلى مسألة الوصاية والخلافة في الأديان والشرائع السابقة، فالرسل جميعاً وكثير من الأنبياء كانوا يختارون لأنفسهم أوصياء من
[١] المستدرك على الصحيحين ٣: ٤٧٧.