موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٥٣٠
حتّى فيما خالف النصّ القرآني، حيث تصرّفوا في الشريعة باجتهاداتهم الشخصيّة، إلاّ أنّ هذه الاجتهادات لم تكن واضحة المعالم عندهم، هل أنّها على نحو القياس؟ أو الاستحسان؟ أم كانت تأويلاً للنصوص؟ أم جهلاً بها؟ أم استهانة بها؟
وفي الحقيقة تطوّر البحث عن الاجتهاد بالرأي وأنواعه وخصائصه - كما قلنا - حصل في القرن الثاني، فميّزوا بين أنواع الاجتهاد بالرأي من القياس والاستحسان والمصالح المرسلة و... .
وإن سلّمنا أنّ بعض الصحابة أيّد القياس والقول بالرأي كما حمل مؤيدوا
القياس قول عمر بن الخطاب: ﴿واعرف الأشياء والأمثال وقس عليها﴾ على ذلك، إلاّ أنّ ذلك لا يكشف عن موافقة الجميع لذلك.
إضافة إلى الروايات التي صحّحتها العامّة في تفنيد القول بالرأي والقياس، كالحديث الذي رواه مالك الأشجعي عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: ﴿تفترق أمّتي إلى بضع وسبعين فرقة، أعظمهم فتنة على أمّتي قوم يقيسون الأمور بآرائهم، فيحلّون الحرام ويحرّمون الحلال﴾[١].
وكما صحّحوا عن عمر قوله: ﴿اتهموا الرأي على الدين، وإنّ الرأي منّا هو الظنّ والتكلّف﴾[٢]. وعن ابن مسعود: ﴿.. سأقول فيها بجهد رأيي، فإن كان صواباً فمن اللّه وحده، وإن كان خطأً فمنّي ومن الشيطان، واللّه ورسوله بريء﴾[٣].
هذا من جهة الاستدلال النقلي وأمّا من الجهة العقليّة، فإنّا نسأل القائس:
هل كلّ قياس قسته حقّ؟ أم فيه حقّ وباطل؟
[١] المستدرك على الصحيحين ٣: ٥٤٧ .
[٢] المحلى لابن حزم ١: ٦١.
[٣] المحلى لابن حزم ١: ٦١ والمصنّف ٣: ٣٩٦.