موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٦٠
إنّ أقوى الصدمات التي أصابت اتّحاد المسلمين بعد وفاة رسول الإسلام، وبذرت فيهم بذور التفرقة، لهي اختلاف أنظارهم حول الحاكم الإسلامي، الذي جرّ إلى إثارة نيران الحروب والصراع والفتن فيهم، وشقّ عصاهم، وفرّق صفوفهم.
حقّاً لو كان النبيّ لم يفكّر في علاج هذا الدّاء الموحش الذي كان يتنبأ به، ولم يدّبر لوقاية الأُمّة من آثار الفراغ الكبير الذي يصيبهم بفقدهم القائد الأوّل، والمخاطر التي بإمكانها أن تصيب المجتمع الإسلامي بعده، فيترك الساحة بدون أيّ تدبير لمصيرها، ألم يكن هو قد خلق لها تلك المشاكلّ الكبرى الناتجة من إهمال مسؤوليّة الحكومة وإدارة الأمور؟! بينما كانت مخاطر المستقبل ممّا يتنبأ بها حتّى من دون أيّة علاقة بالوحي والغيب؟ كيف لنا أن نصدّق بأنّ النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم الذي لم يترك أيّة نقطة من رسالته لم يبيّنها لهم، لم يكن ملتفتاً إلى مسيرة الإسلام في المستقبل وضرورة حراسة موضع الحقّ فيه؟ بل ضرورة حفظ كيان الدّين وموجوديّة الأُمة، فيدع مسؤوليّة صيانة الرسالة إلى أحوال المستقبل وما تدبّره لها يد التقدير؟! الذين يقولون: إنّ النبيّ لم يصوّر لأُمته أيّة صورة عن شكل الحكم بعده، وإنّه التزم السكوت في ذلك، وإنّه ترك أمّته بلا تكليف في ذلك، هؤلاء كيف يجرؤون على نسبة هذه المسامحة والسكوت في غير موضعه إلى ساحة من كان يمثّل العقل الأوّل في البشر؟! ولاسيّما بعد التوجّه إلى أنّ وفاته لم تقع فجأة، بل كان هو صلى الله عليه و آله و سلم يخبر عن ذلك بقوله: ﴿يوشك أن أُدعى فأجيب﴾، بل أعلن للناس ذلك في حجّة الوداع، وأنّه سوف لا يراهم في موسم الحجّ القابل. إنّ الإسلام، ذلك الغرس الناشيء الذي كان أمامه إلى أن يثمر درب طويل،