موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٥٠٩
وأنا لا أدري ما منع هؤلاء الخائفين من الفتنة الذين لا مطمع لهم في السلطان إلاّ بمقدار ما يتّصل بصالح الإسلام أن يسألوا رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم عن خليفته، أو يطلبوا منه أن يعيّن لهم المرجع الأعلى للحكومة الإسلاميّة من بعده؟ وقد طال المرض به أيّاماً متعدّدة، وأعلن فيها مراراً عن قرب أجله، واجتمع به جماعة من أصحابه فسألوه عن كيفيّة غسله وتفصيلات تجهيزه، ولم يقع في أنفسهم مطلقاً أن يسألوه عن المسألة الأساسيّة، بل لم يخطر في بال أولئك الذين أصرّوا على عمر بأن يستخلف ولا يهمل الأمّة وألحّوا عليه في ذلك خوفاً من الفتنة أن يطلبوا نظير هذا من رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم !
فهل ترى أنّهم كانوا حينذاك في غفلة عن أخطار الموقف بالرغم من إنذار النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم بفتن كقطع الليل المظلم؟! حتّى إذا لحق سيّد البشر بالرفيق الأعلى توهّجت مشاعرهم بالغيرة على الدين، وملأ قلوبهم الخوف من الفتنة والانعكاسات السيّئة. أو تعتقد معي أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم كان قد اختار للسفينة ربّانها الأفضل ولذلك لم يسأله السائلون!!
دع عنك هذا واختلق لهم ما شئت من المعاذير، فإنّ هؤلاء الغيارى على الإسلام لم يكتفوا بترك السؤال، بل منعوا رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم من مقاومة الخطر المرتقب حينما أراد أن يكتب كتاباً لا يضلّ المسلمون بعده أبداً[١]. والفتنة ضلال، وإذن فلا فتنة بعد ذلك الكتاب أبداً، فهل كانوا يشكّون في صدق النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ؟! أو يرون أنّهم أقدر على الاحتياط للإسلام والقضاء على الشغب والهرج من نبيّ الإسلام ورجله الأوّل!
وخليق بنا أن نسأل عمّا عناه النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم بالفتن التي جاء ذكرها في مناجاته لقبور البقيع في اُخريات أيّامه إذ يقول: ﴿ليهنكم ما أصبحتم فيه قد أقبلت الفتن
[١] إشارة إلى قول الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم في مرضه الأخير: أئتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده... ، صحيح البحاري ١: ٣٧١ كتاب العلم ـ باب كتابة العلم.