موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٤٤٢
أخرى؟! إذا كان هذا هو السبب، فلماذا لم تتحقّق تلك الثورة قبل القرون الوسطى وفي الأزمنة التي انتشر فيها الظلم والفساد الكنيسي دون رادع؟!
إذن لابدّ من البحث عن أسباب أخرى جعلت تلك الثورة أو الصحوة - كما يحلو لبعض مؤرخي الفكر الغربي تسميتها بذلك - تحدث في ذلك الوقت بالذات ولم تحدث قبله.
لعلّ أحد أسباب تلك النهضة في ذلك الزمان بالذات - كما اقتنع به جملة من المحقّقين - هو دخول الفكر الإسلامي عقيدة وفكراً إلى الغرب.
ومع أنّنا نفتقد إلى شهادة تاريخيّة صريحة في هذا المجال إلاّ أنّ مضمون الإصلاحات الدينية التي حصلت حينها كانت تبتعد بمرور الزمن عن فكر الكنيسة، وتلتقي في جوانب كثيرة مع العقلانيّة الإسلاميّة.
ويشهد على ذلك التطور الواضح في الارتباط بين المسيحية بمختلف فرقها والإسلام، فقد ترجم القرآن إلى اللغة اللاتينية عام ١١٤٣م، ثُمّ تلا بعد ذلك بعدّة أعوام إخراج معجم لاتينيّ - عربي مكّن علماء المسلمين من ترجمة الكتب التي تبيّن وجهة نظر الإسلام في كافة المجالات، فانتشرت العلوم الإسلاميّة بسرعة فائقة وخاصّة بعد اختراع آلات الطباعة وانتشارها، وازداد مع ذلك الإقبال على تعلّم اللغة العربية ودراسة التاريخ الإسلامي فصار الإسلام وخلال بضع سنين محركاً للعقل الأوروبي بعد أن أيقظه من سبات دام طوال عصور مظلمة.
وأمام هذا الوضع كان على رجال الفكر النصارى أن يختاروا أحد أمرين: إمّا أن يدخلوا الدين الإسلامي من أوسع أبوابه، وهذا يعني خروجهم عن حماية الكنيسة ورجالها، وهو الأمر الذي منعهم خوفهم وعنادهم منه.
وإمّا أن يخترعوا نظاماً فكرّياً لملٔالفراغ الموجود في الكتب المقدّسة،