موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ١٨
وما يجدر الإشارة إليه أنّ الذين يفجعون بالمصير السيئ والنهاية المشئومة في الحياة الأخرى هم الذين سكنت نفوسهم للموروث من العقائد، ظنّا منهم أنّه الحقّ، وتلذّذت أنفسهم بنشوة الغفلة وسوق النفس لها، ولما أصابوه من هذه الحياة. وهؤلاء إمّا أنّهم قد أطلقوا للنفس زمامها وحبلها على غاربها بالتهاون والتساهل في أمر الدين ونسيان الحياة الآخرة وعدم مراعاة أمرها بتصحيح اعتقاد أو أداء تكليف. أو أنّهم ركنوا إلى الأوهام في اعتقادهم وغاصوا في بحار التّوهم بحثاً عن اللؤلؤ، دون أن ينفطّنوا إلى أن اعتقاداً كهذا لا وجود له حتّى يأتي باللؤلؤ النفيس، فليس الوهم إلاّ عدم محض لا يوجد إلاّ في الخيال. أو أنّ هؤلاء قد استلقوا في أحضان الظنّ في أمر العقيدة، وذاقوا بهذا يسيراً من مذاق الحقيقة بعد اختلاطها بقدر جمّ من الباطل، وهم في غمرة هذا المذاق الحلو الذي يتلمظونه بين كم من المرارة، ركنوا لمذاق الباطل الذي خلطوه به ظنّاً منهم أنّ للحقّ مذاقاً كهذا، إذ أنّهم خلطوا عملاً بآخر سيئاً ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾[١]. والذين يمحّصون اعتقادهم الديني ليبلغ حدّ اليقين أو قدراً من اليقين تضعف نسبة الشكّ والظنّ فيه بصورة تجعل مقدار الشكّ لا يؤدّي وجوده إلى زوال الطمأنينة في الاعتقاد، فهؤلاء أقرب من غيرهم إلى النهج الذي رسمه النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم لكي يسير عليه الناس، بل هؤلاء لا يعجزون من التماس الأدلّة والحجج القوية على اعتقادهم هذا من حيث موافقته لآيات القرآن وأحاديث النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ومسلّمات العقل وفطرياته.
[١] النجم ٥٣ : ٢٨.