سيرة ابن إسحاق - محمد بن إسحاق بن يسار - الصفحة ٢٣٥ - قصة النبي لما عرض نفسه على العرب
اليوم يا أبة لقد أخذت بيدك حتى أعرفك حديثك اليوم، فأسلم الحارث بعد ذلك، فحسن اسلامه، و كان يقول حين أسلم: لو قد أخذ ابني بيدي فعرفني ما قال لم يرسلني إن شاء اللّه حتى يدخلني الجنة.
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحاق قال: حدثني الزهري عن عروة عن عائشة قالت كان لأبي بكر مسجد بفناء داره، فكان إذا صلى فيه و قرأ القرآن بكى بكاء كبيرا، فتجتمع إليه النساء و الصبيان و العبيد يعجبون مما يرون من رقته، و قد كان استأذن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) في الهجرة حين أوذوا بمكة، فأذن له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) فخرج حتى كان من مكة على يومين لقيه ابن الدغنة، رجل من بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة، و كان سيد الأحابيش [١]، فقال له: أين يا أبا بكر؟ فقال: آذاني قومي و أخرجوني من بلادي، فأود أن أؤم بلدا أكون فيه، أستريح من أذاهم، و آمن منهم، فقال: و لم؟ فو اللّه إنك لتزين العشيرة، و تعين على النائبة، و تفعل المعروف، و تكسب المعدم، ارجع فأنت في جواري، فرجع، فلما دخل مكة قام (١١٦) فصرخ بمكة: يا معشر قريش إني قد أجرت ابن أبي قحافة، فلا يؤذيه أحد، و كانوا إذا عقدوا فنخ [٢]، و كف عنه هذا الحي من قريش، و كان إذا صلى في مصلاه ذلك بمكة كان من أمره ما وصفت، فمشى إليه رجال من قريش، فقالوا: يا ابن الدغنة إن هذا الرجل الذي أجرت، رجل له حال ما هو لغيره، إنه إذا تلا ما جاء به محمد بكى بكاء لا يبكيه أحد، فيرق لذلك منه ضعفاؤنا و نساؤنا و خدمنا، فمره فليكف عنا، يتخذ مصلى غير هذا في بيته، فمشى إليه ابن الدغنة فقال: يا أبا بكر إنى لم أجرك لتؤذي قومك، فاتخذ مصلى غير هذا، فقال أبو بكر:
أو غير ذلك؟ فقال: و ما هو؟ قال: أرد عليك جوارك، و أرضى بجوار اللّه فقال: نعم، فقال أبو بكر: لقد رددت عليك جوارك، فقال ابن الدغنة: يا معشر قريش إن أبا بكر قد رد علي جواري، فشأنكم بصاحبكم.
[١] اختلف في تحديد هوية الأحابيش و أصلهم مع ما كانوا يقومون به من وظائف في مكة، انظر الروض: ٢/ ١٢٣- ١٢٧.
[٢] غلب و قهر.