سيرة ابن إسحاق - محمد بن إسحاق بن يسار - الصفحة ٢٣٣ - قصة النبي لما عرض نفسه على العرب
ظعينة لنا حتى نزلنا قريبا من المدينة، فبينا نحن قعودا إذا أنا برجل عليه ثوبان، فسلم علينا فقال: من أين أقبل القوم؟ فقلت: من الربذة، و معنا جمل أحمر، فقال: تبيعون الجمل؟ فقلنا: نعم، فقال: بكم؟ فقلنا: بكذا و كذا صاعا من تمر، فقال: قد أخذنه و ما استنقصنا، و أخذ بخطام الجمل فذهب به حتى توارى بحيطان المدينة، فقال: بعضنا لبعض: أ تعرفون الرجل؟ فلم يكن منا أحد منا يعرفه، فلام القوم بعضهم بعضا و قالوا: تعطون جملكم من لا تعرفون! فقالت الظعينة: فلا تلاوموا فلقد رأيت وجه رجل لا يغدر [١] بكم ما رأيت شيئا أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه، فلما كان العشي أتانا رجل فقال: السلام عليكم و رحمة اللّه، أ أنتم الذين جئتم من الربذة؟
فقلنا: نعم، فقال: أنا رسول رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلّم)- إليكم و هو يأمركم أن تأكلوا من هذا التمر حتى تشبعوا و تكتالوا حتى تستوفوا، فأكلنا من التمر حتى شبعنا، و اكتلنا حتى استوفينا، ثم قدمنا المدينة من الغد، فإذا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) قائم يخطب الناس على المنبر، فسمعته يقول: يد المعطي العليا، و أبدأ بمن تعول أمك و أباك و اختك و أخاك، و أدناك أدناك، و ثم رجل من الأنصار، فقال يا رسول اللّه هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع الذين قتلوا فلانا في الجاهلية فخذلنا بثأرنا، فرفع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) يده حتى رأيت بياض ابطيه، فقال: لا تجني أم على ولد، لا تجني أم على ولد.
يونس عن يونس بن عمرو عن أبي السفيان سعيد بن احمد الثوري قال:
بعث ابو طالب إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) فقال: أطعمني من عنب جنتك، و ابو بكر الصديق جالس عند رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم)، فقال ابو بكر: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ» [٢].
نا يونس قال: قال ابن إسحاق: و لما سمع أبو سفيان بإسلام خفاف بن ايماء بن رحضة قال: لقد صبأ الليلة سيد بني كنانة.
[١] في ع: بغرر.
[٢] سورة الأعراف: ٥٠.