سيرة ابن إسحاق - محمد بن إسحاق بن يسار - الصفحة ١٦ - مقدمة المحقق
الروايتين الأخريين لابن إسحاق، لكن أيضا بالمصادر التي نقلت عن ابن إسحاق بطريق ابن هشام أو بطريق آخر. و في «تاريخ مكة» للفاكهي (٢٨٠ ه) نصوص كثيرة مقتبسة من ابن إسحاق إما من طريق ابن هشام- البكّائي أو من طرق أخرى. و الأمر كذلك في الأغاني. و قد ذكر ابن هشام أسبابا لحذفه لبعض الأخبار، من هذه الأسباب أن يكون النصّ غير ضروري للسيرة، و لا شكّ أنه عنى بذلك قسم السيرة الأول [١] الذي سمّاه ابن إسحاق بالمبتدإ، و مقارنة الجزء الباقي من هذا المطلع بمطلع الطبري مثلا تظهر أن هذا القسم المحذوف كبير نسبيا. هذا و لا يقلّل من قيمة المحذوف استناده إلى الأساطير و الإسرائيليات. و من أسباب ابن هشام في الحذف أن يكون الشعر غير معروف عند أهل العلم، و مع أنّ معرفة ابن إسحاق بالشعر لم تكن على ما يرام [٢] إلا أنه كان بوسع ابن هشام أن يدع ذلك لعلماء الشعر و لا يستبقهم بحذف و تعديل كهذا بداعي الاختصار. على أن هذا كله يبقى له وجه و اعتبار إذا ما قورن بأسباب ابن هشام الأخرى للحذف «.. و بعض يسوء بعض الناس ذكره ..»،
«و أشياء بعضها يشنع الحديث به ..»، إن لهذا النوع من الحذف و لا شكّ أسبابا سياسية و أخرى تتصل بالصورة التاريخية لعصر ابن هشام عن النبي و صحابته.
إن الفائدة ستكون كبيرة لو عثرنا في المستقبل على نسخة كاملة أصيلة من إحدى روايات سيرة ابن إسحاق، و لكن حتى يتحقق ذلك فإنه لا بد من الاستناد إلى القليل الذي بين أيدينا لتكوين صورة تقريبية عن الإنجاز الرائع الذي حققه ابن إسحاق في مجال تطوير الكتابة التاريخية العربية. إنّ طريقة ابن إسحاق في الكتابة و البحث، و مصادره، و الخلفيات السياسية و الاجتماعية
[١] عن أقسام سيرة ابن إسحاق، قارن الدوري: علم التاريخ عند العرب ٢٧- ٢٨.
[٢] ابن سلام: طبقات فحول الشعراء ٨، ١١.