سيرة ابن إسحاق - محمد بن إسحاق بن يسار - الصفحة ٩٠ - اسلام سلمان الفارسي
و لا يأكل الصدقة، فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل فإنه قد أظلك زمانه، فلما واريناه أقمت على خير، حتى مر بي رجال من تجار العرب، من كلب، فقلت لهم تحملوني معكم حتى تقدموني أرض العرب و أعطيكم غنيمتي هذه و بقراتي؟ قالوا: نعم، فأعطيتهم إياها و حملوني حتى إذا جاءوا بي وادي القرى ظلموني فباعوني عبدا من رجل من يهود بوادي القرى، فو اللّه لقد رأيت النخل و طمعت أن يكون البلد الذي نعت لي صاحبي، و ما حقت عندي حتى قدم رجل (١٣) من بني قريظة من يهود وادي القرى، فابتاعني من صاحبي الذي كنت عنده، فخرج بي حتى قدم المدينة فو اللّه ما هو إلا أن رأيتها، فعرفت نعته، فأقمت في رقي مع صاحبي، و بعث اللّه عز و جل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) بمكة، لا يذكر لي شيء من أمره مما أنا فيه من الرق حتى قدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) قباء [١]، و أنا أعمل لصاحبي في نخلة له، فو اللّه إني لفيها إذ جاء ابن عم له، فقال: فلان، قاتل اللّه بني قيلة [٢]، و اللّه إنهم الآن لفي قباء مجتمعون على رجل جاء من مكة يزعمون أنه نبي، فو اللّه ما هو إلا أن سمعتها، فأخذني العرواء- يقول الرعدة- حتى ظننت لأسقطن على صاحبي، و نزلت أقول ما هذا الخبر، ما هو؟ فرفع مولاي يده فلكمني لكمة شديدة و قال: ما لك و لهذا، أقبل قبل عملك، فقلت: لا شيء إنما سمعت خبرا، فأحببت أعلمه، فلما أمسيت و كان عندي شيء من طعام، فحملته و ذهبت إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم)، و هو بقباء، فقلت: إني بلغني أنك رجل صالح، إن معك أصحابا لك غرباء، و قد كان عندي شيء للصدقة فرأيتكم أحق من بهذه البلاد به، فها هو هذا فكل منه، فأمسك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) يده و قال لأصحابه: كلوا و لم يأكل، فقلت في نفسي: هذه خلة مما و وصف لي صاحبي، ثم رجعت، و تحول رسول
[١]- خارج المدينة، قدمها النبي يوم الهجرة.
[٢] اي الأوس و الخزرج، انظر الروض: ١/ ٢٤٩.