سيرة ابن إسحاق - محمد بن إسحاق بن يسار - الصفحة ٧ - مقدمة المحقق
كان لا بد من هذه المقدمة الموجزة للوصول إلى التساؤل الملحّ فيما يتصل «بالوعي التاريخي» عند العرب وجودا و أساسا و تطوّرا. نحن نعرف الآن من خلال النقوش العربية الجنوبية أنّ الجنوبيين كانوا يؤرخون لكل شيء [١]، كما أن الكتابات العربية الشمالية الأولى مؤرّخة. ثم إننا نعرف أن المكيين كانوا يتداولون قصصا و أسمارا فيما بينهم بعضها يتصل بماضي الجزيرة و الآخر بالدول و الحضارات المجاورة. و عند ما توفي النبي و بدأ تكوين الأساس الإداري للدولة العربية- الإسلامية الجديدة سارع الخليفة الثاني عمر بن الخطاب إلى اعتبار الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة بداية تاريخية للدولة الجديدة و الدعوة الجديدة.
الوعي التاريخي العربي الأوّلي الذي نشأ نتيجة إحساس مكة و الشماليين بأنفسهم تدعم بالدعوة الجديدة و نشأة مفهوم «الأمة» و الدولة. يضاف إلى ذلك أن الصراعات القبلية بدأت مع الفتوحات و إنشاء الأمصار، كما بدأ صراع بين السلطة المركزية من جهة و رجال القبائل من جهة أخرى. و طبيعي أن تحاول كل قبيلة إنشاء «صورة تاريخية» خاصة بها دفاعا عن الذات، في الوقت الذي كانت فيه السلطة تحاول القيام بالأمر نفسه. هذا كله يدفعنا إلى القول بأنّ الوعي التاريخي العربي كما بدا في كتابات مؤرخي القرن الثاني الهجري هو وعي أصيل نشأ في البيئة العربية، و إن يكن قد تعرّض لتأثيرات خارجية فلا شك أن هذه التأثيرات بقيت عرضية [٢].
أولى الاهتمامات التاريخية في القرن الأول الهجري كانت بالسيرة النبوية،
[١] قارن بروزنتال: علم التاريخ عند المسلمين ٢١- ٢٢ (ترجمة د. العلي).
[٢]
in: Arabica X' ١٩٦٣. Grunebom'The Nature of Arab Unity Before Ialam'
روزنتال: علم التاريخ عند المسلمين ٣٣ و ما بعدها.
Grunebaum (II' ١٩٦٩. in: Theology and Law in Islam) ed. G. E. von Braune'W. Histoical Consciousness in Islam ٣٨- ٤٣