سيرة ابن إسحاق - محمد بن إسحاق بن يسار - الصفحة ١٥٢ - الوليد بن المغيرة و ما نزل فيه
تعالى: «الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ» أي أصنافا «فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ» [١] أولئك النفر الذين يقولون ذلك لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) لمن لقوا من الناس، و صدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم)، و انتشر ذكره في بلاد العرب كلها.
نا يونس عن أبي معشر عن محمد بن قيس في قوله: «وَ قالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ» [٢] قال: قالت قريش لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم): إن ما تقول حق، فو اللّه إن قلوبنا لفي أكنة منه ما نعقله، و في آذاننا وقر فما نسمعه، و من بيننا و بينك حجاب فما ندري ما تقول.
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحاق قال: ثم إن قريشا حين عرفت أن أبا طالب أبى خذلان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم)، و إسلامه، و إجماعه لفراقهم في ذلك، و عدوانهم، مشوا إليه و معهم عمارة بن الوليد بن المغيرة، فقالوا له فيما بلغنا: يا أبا طالب قد جئناك بفتى قريش عمارة بن الوليد جمالا، و شبابا، و نهادة، فهو لك نصره و عقله، فاتخذه ولدا لا تنازع فيه، و خل بيننا و بين ابن أخيك هذا (٥٩) الذي فارق دينك و دين آبائك، و فرق جماعة قومه، و سفّه أحلامهم، فإنما رجل كرجل لنقتله، فإن ذلك أجمع للعشيرة، و أفضل في عواقب الامور مغبّة، فقال لهم أبو طالب: و اللّه ما أنصفتموني، تعطوني ابنكم أغذوه لكم، و أعطيكم ابن أخي تقتلونه [٣]، هذا و اللّه لا يكون أبدا، أ فلا تعلمون أن الناقة إذا فقدت ولدها لم تحن إلى غيره، فقال له المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف: لقد أنصفك قومك يا أبا طالب؛ و ما أراك تريد أن تقبل ذلك منهم، فقال أبو طالب للمطعم بن عدي: و اللّه ما أنصفتموني و لكنك قد أجمعت على خذلاني و مظاهرة القوم عليّ، فاصنع ما بدا لك، أو كما قال أبو طالب، فحقب [٤]
[١] سورة الحجر: ٩١- ٩٢.
[٢] سورة فصلت: ٥.
[٣] في ع يقتلونه.
[٤] أي اشتد، و في ع: خفت.