سيرة ابن إسحاق - محمد بن إسحاق بن يسار - الصفحة ١٢٢ - أول ما ابتدئ به رسول اللّه من النبوة
ناحية من السماء إلا رأيته فيها، فما زلت واقفا ما أتقدم و لا أتأخر حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي حتى بلغوا مكة و رجعوا، فلم أزل كذلك حتى كاد النهار يتحول، ثم انصرف عني، و انصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفا إليها، فقالت: يا أبا القاسم أين كنت فو اللّه لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة و رجعوا، فقلت لها: إن الأبعد لشاعر أو مجنون، فقالت: أعيذك باللّه يا أبا القاسم من ذلك، ما كان اللّه عز و جل ليفعل بك ذلك مع ما أعلم من صدق حديثك، و عظم أمانتك، و حسن خلقك، و صلة رحمك، و ما ذاك يا ابن عم، لعلك رأيت شيئا أو سمعته؟ فأخبرتها الخبر، فقالت: أبشر يا بن عم، و اثبت له، فو الذي تحلف به إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة، ثم قامت فجمعت ثيابها عليها، ثم انطلقت الى ورقة بن نوفل- و هو ابن عمها، و كان قد قرأ الكتب، و كان قد تنصر، و سمع التوراة و الانجيل، فأخبرته الخبر، و قصت عليه ما قص عليها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) أنه رأى و سمع، فقال ورقة: قدّوس قدّوس، و الذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة، إنه لنبي هذه الأمة، و إنه ليأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى (عليه السلام)، فقولي له فليثبت، و رجعت الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) فأخبرته ما قال لها ورقة، فسهل ذلك عليه بعض ما هو فيه من الهم بما جاءه فلما قضى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) جواره صنع كما كان يصنع، بدأ بالكعبة فطاف بها، فلقيه ورقة و هو يطوف بالكعبة، فقال: يا ابن أخ أخبرني بالذي رأيت و سمعت، فقص عليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) خبره، فقال ورقة: و الذي نفس ورقة بيده إنه ليأتيك الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى (عليه السلام)، و إنك لنبي هذه الأمة، و لتؤذينّ، و لتكذبن، و لتقاتلن، و لتنصرن، و لئن أنا أدركت ذلك لأنصرنك نصرا يعلمه اللّه، ثم أدنى إليه رأسه فقبل يافوخه، ثم انصرف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) إلى منزله و قد زاده اللّه عز و جل من قول ورقة ثباتا، و خفف عنه بعض ما كان فيه من الهم.