سيرة ابن إسحاق - محمد بن إسحاق بن يسار - الصفحة ٦ - مقدمة المحقق
الجزيرة الديانتين اليهودية و النصرانية، كما عرفت أخبارا من أخبار الفرس و الروم و عرفت أيضا بعض التقاليد الثقافية التي كانت سائدة في منطقة ما يسمّى بمنطقة «الثقافية الهيللينية» [١]. إلى جانب هذه التقاليد الحضارية الخارجية التي وصلت إلى مكة؛ تكوّنت في مكة نفسها تقاليد ثقافية خاصة بها و بشمال الجزيرة بشكل عام. كان من ضمن هذه التقاليد الخطّ العربي المستعار في الأصل من الأنباط [٢]. هذا الخطّ الذي وصلت إلينا نماذج من تطوراته الأولى تعود إلى مطلع القرن الرابع الميلادي ما لبث أن انتشر و سيطر في الأصقاع التي انتشرت فيها تجارة مكة و أسواقها في شمالي الجزيرة و جنوبيها [٣].
و لا شك أنّ شباب قريش الذين كانوا في أكثرهم تجارا، و كانوا يعقدون المعاهدات، و يسجّلون العقود و يحتاجون إلى كتابة الرسائل كانوا يعرفون في أكثرهم الكتابة العربية، و القرآن الذي ترد فيه إشارات كثيرة إلى الكتب و الكتابة و العقود و النظم التجارية شاهد صريح على كون هذه الأمور كلها معروفة و ممارسة لديهم [٤]. و كتب السيرة و التاريخ و الطبقات تؤكّد ذلك بذكر أسماء أشخاص بعينهم في مكة و المدينة كانوا يحسنون الكتابة و القراءة، كما تذكر تقليدا آخر- ربما كان خاصا بالمدينة المنورة- مفاده أنّ أولئك الذين كانوا يحسنون الكتابة و السباحة و الرمي كانوا يسمّون «الكملة»، و كان منهم بين الأنصار عدد ليس بالقليل [٥].
[١] قارن:
E .Rosenthal :Das Fortleben der Autike im Islam ٨ ff ..
[٢] قارن:
Abbot'N .:The Rise of The North Arabic Script .Chicago ١٩٣٩ ..
[٣] قارن:
- Altheim- Stiehl: Die AraberII' ٣١٣ ff. Dussaud: La Penetration des Arabes ٦٤
جواد علي: المفصل ٣/ ١٩١ و ما بعدها.
[٤] القرآن ٢٣/ ٢٨٢، و قارن ناصر الدين الاسد: مصادر الشعر الجاهلي ٤١- ١٣٣.
[٥] طبقات ابن سعد ٣/ ١٣٦، فتوح البلدان ٤٧٣- ٤٧٧.