سيرة ابن إسحاق - محمد بن إسحاق بن يسار - الصفحة ٢١٧ - حديث الهجرة الاولى الى الحبشة
اثني عشر رجلا من صلبه فيتوارثوا الملك لبقيت الحبشة عليهم دهرا طويلا لا يكون بينها اختلاف، فغدوا عليه فقتلوه و ملكوا أخاه، فدخل النجاشي لعمه حتى غلب عليه فلا يدير أمره غيره، و كان لبيبا فلما رأت الحبشة (١٠٤) مكانه من عمه قالوا: لقد غلب هذا الغلام على أمر عمه، فما نأمن أن يملكه علينا، و قد عرف أنا قتلنا أباه و جعلناه مكانه، و إنا لا نأمن أن يملكه علينا فيقتلنا، فإما أن نقتله و إما أن نخرجه من بلادنا، فقال: ويحكم قتلتم أباه بالأمس، و أقتله اليوم! بل أخرجوه من بلادكم، فخرجوا به فوقفوه بالسوق فباعوه من تاجر من التجار، فقذفه في سفينته، بستمائة درهم أو سبعمائة [١] درهم، فانطلق به، فلما كان العشي هاجت سحائب الخريف، فخرج عمه يتمطر [٢] تحتها فأصابته صاعقة فقتلته، ففزعوا إلى ولده فإذا هم محمقون ليس في أحد منهم خير، فمرج على الحبشة أمرهم، فقال بعضهم لبعض: تعلمن و اللّه إن ملككم الذي لا يصلح أمركم غيره للذي بعتم الغداة، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه قبل أن يذهب، فخرجوا في طلبه حتى أدركوه فردوه فعقدوا عليه تاجه و أجلسوه على سريره و ملكوه، فقال التاجر ردوا علي مالي كما أخذتم مني غلامي، فقالوا: لا نعطيك، فقال: إذا و اللّه أكلمه، فقالوا: و إن؛ فمشى إليه فقال: أيها الملك إني ابتعت غلاما فقبض مني الذين باعوه ثمنه، ثم عدوا على غلامي فنزعوه من يدي و لم يردوا علي مالي، فكان أول ما اختبر من صلابة حكمه و عدله أن قال: لتردن عليه ماله أو ليجعلن غلامه يده في يده فليذهبن به حيث شاء؟ فقالوا: بل نعطه ماله، فأعطوه إياه، فلذلك يقول: ما أخذ اللّه مني رشوة فآخذ الرشوة فيه حين رد إلى ملكي، و لا أطاع الناس في فأطيعهم فيه.
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحاق قال: حدثني يزيد بن رومان عن عروة
[١] في ابن هشام، الروض: ٢/ ٨٩- بمائة درهم.
[٢] في ع: يستمطر.