سيرة ابن إسحاق - محمد بن إسحاق بن يسار - الصفحة ١٠ - مقدمة المحقق
و مع أنّ الدراسات عن ابن إسحاق تعددت منذ مطلع هذا القرن [١]، لكنّ هناك صعوبات لا يمكن تخطّيها تحول دون الوصول إلى نتائج يطمأنّ إليها في هذا المجال. إن المادة التي اعتمدت عليها هذه الدراسات قليلة و غير أصيلة تماما، ذلك أنّ ما كتبه ابن إسحاق لم يصل إلينا بشكله الأول، بل وصلنا بعد تهذيبه و تعديله من قبل آخرين أشهرهم و أهمهم ابن هشام. و كنت قد حصلت منذ سنوات على مصوّرة لقطعة من سيرة ابن إسحاق موجودة بالمغرب، ضممتها إلى أوراق من قسم المغازي موجودة بالمكتبة الظاهرية بدمشق، ثم قمت بمقارنة الموادّ و الأخبار الموجودة في هاتين القطعتين بما عند ابن هشام مما يقابلهما فاتضحت لي أهمية نشرهما.
ولد محمد بن إسحاق بالمدينة حوالي عام ٨٥ ه/ ٧٠٥ م [٢]، و بها نشأ و أدرك بعض الصحابة، لكنّ أكثر سماعه كان من أبناء الصحابة. و قد سمع من أبيه و كبار التابعين بالمدينة، ثم رحل في طلب العلم إلى مصر، و نحن نعلم أنه كان بالإسكندرية عام ١١٩ ه/ ٧٣٨ م، ثم عاد إلى المدينة و بدأت شهرته بسعة الرواية تنتشر. و إلى هذه الفترة تعود منازعاته مع عالمي المدينة المشهورين آنذاك: هشام بن عروة بن الزبير (- ١٤٦ ه)، و مالك بن أنس (- ١٧٩ ه). أما هشام بن عروة فقد اتهمه بالكذب لأنه كان يروي عن زوجته فاطمة بنت المنذر بن الزبير، و كان هشام بن عروة ينكر سماع
[١] كتب يوهان فك دراسة عنه (عام ١٩٢٥)، كما نشر فيشر أسماء الرجال الذين رووا عنه. و درس هوروفتز عمله في مقالاته السالفة الذكر، و قارن الدوري ٢٧- ٣٢.
[٢] أهم ترجماته في المصادر، طبقات فحول الشعراء لابن سلام ٨، ١١، ٢٠٦، طبقات ابن سعد ٦/ ٣٩٦، المعارف ٤٩١، الفهرست ٩٢، تاريخ بغداد ١/ ٢١٤، معجم الأدباء ١٨/ ٥ و ما بعدها، وفيات الأعيان ٤/ ٢٧٦- ٢٧٧، تاريخ الاسلام ٦/ ٣٧٥- ٣٧٨، ميزان الاعتدال ٣/ ٤٦٨، تذكرة الحفاظ ٢/ ١٧٢، تهذيب التهذيب ٩/ ٣٨، عيون الأثر ١/ ١٠- ١٧.