سيرة ابن إسحاق - محمد بن إسحاق بن يسار - الصفحة ١٦٩ - وفد قريش إلى الحبشة
ما يدخل عليها، فدهنته و أعطته منه شيئا في قارورة، فلما شمه عمرو عرفه، و قال له عند ذلك أشهد أنك قد صدقت، و لقد أصبت شيئا ما أصاب أحد من العرب مثله [١]، امرأة الملك، ما سمعنا مثل هذا، و كانوا أهل جاهلية، و كان ذلك في أنفسهم فصلا لمن أصابه و قدر عليه، ثم إنه سكت عنه حتى إذا اطمأن دخل عمرو على النجاشي فقال: أيها الملك معي سفيه من سفهاء قريش، و قد خشيت أن يعزى عندك أمره، و قد أردت أن أرفع إليك شأنه و لم أعلمك ذلك حتى استثبت أنه قد دخل على بعض نسائك فأكثر، و هذا دهنك قد أعطته و ادهن به، فلما شم النجاشي الدهن، قال: صدقت هذا دهني الذي لا يكون إلا عند نسائي، ثم دعي بعمارة بن الوليد، و دعا بالسواحر فجردنه من ثيابه ثم أمرهن فنفخن في احليله، ثم خلى سبيله فخرج هاربا في الوحش، فلم يزل بأرض الحبشة حتى كانت خلافة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، فخرج إليه رجال من بني المغيرة منهم عبد اللّه بن أبي ربيعة بن المغيرة، و كان اسم عبد اللّه قبل أن يسلم بجير، فلما أسلم سماه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) عبد اللّه، فرصده بأرض الحبشة بماء كان يرده مع الوحش، فذكروا أنه أقبل في حمر من حمر الوحش يرد معها، فلما وجد ريح الأنس هرب حتى أجهده العطش، فورد فشرب حتى إذا امتلأ خرجوا في طلبه، قال عبد اللّه بن أبي ربيعة: فسبقت إليه فالتزمته، فجعل يقول: أي بجير أرسلني فإني أموت إن أمسكتني، قال عبد اللّه: فضبطته فمات في يدي مكانه، فواريته ثم انصرفنا، و كان شعره فيما يزعمون قد غطى كل شيء منه، فقال عمرو، و هو يذكر ما صنع به و ما أراد من امرأته:
تعلم عمار أن من شر شيمة* * * لمثلك أن يدعا ابن عم لكائن ما
أ إن كنت ذا بردين أحوى مرحلا* * * فلست ترأى لابن عمك محرما
إذا المرء لم يترك طعاما يحبه* * * و لم ينه قلبا غاويا حيث يمما
[١] في ع: ما له.