سيرة ابن إسحاق - محمد بن إسحاق بن يسار - الصفحة ١٨ - مقدمة المحقق
المسلمين من أخبار، و هذه «فضيلة لابن إسحاق سبق بها» و قد صنف من بعده قوم آخرون في نفس الموضوع فلم يبلغوا مبلغه، و مادة ابن إسحاق، رغم المآخذ، كبيرة الفائدة اعتمدها غالبية الذين كتبوا أو اهتموا بسيرة النبي بعده، و كانت دائما موضع دراسة و عناية.
يقول في هذا الصدد ابن عدي في كتابه «الكامل»: و لو لم يكن لابن إسحاق من الفضل إلا أنه صرف الملوك عن كتب لا يحصل منها علم، و صرف أشغالهم حتى اشتغلوا بمغازي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم)، و مبتدأ الخلق، و مبعث النبي (صلى اللّه عليه و سلّم)، فهذه فضيلة لابن إسحاق سبق بها، ثم بعده صنف قوم آخرون، و لم يبلغوا مبلغ ابن إسحاق و لا علمه، و قد فتشت أحاديثه الكثيرة، فلم أجد في أحاديثه ما يتهيأ أن يقطع عليه بالضعف، و ربما أخطأ، أو وهم في الشيء بعد الشيء، كما يخطئ غيره، و لم يتخلف عنه في الرواية عند الثقات و الأئمة، و هو لا بأس به».
هذا و تعود القطعتان اللتان أقدم لهما إلى القسم الثالث من سيرة ابن إسحاق، و لما كان هذا القسم يغطي الفترتين المكية و المدنية من حياة النبي فقد كان من حسن الحظ أن أولى القطعتين تتعلق بالفترة المكية و هي تكاد تغطيها جميعا، بينما تتعلق القطعة الثانية بالفترة المدنية و هي تروي أخبار الحوادث التي وقعت مع نهاية معركة بدر الكبرى و حتى نهاية معركة أحد.
و يوجد من القطعة الأولى مخطوطتان واحدة قديمة تعود في تقديري إلى القرن الخامس للهجرة، و هي موجودة في مكتبة القرويين في فاس، و تحوي مائة و اثنتان و خمسون صفحة، كتبت بعدة خطوط حسب القاعدة المغربية، و لقد لحقت أوراق هذه المخطوطة رطوبة شديدة أدت إلى طمس بعضها طمسا كليا و البعض الآخر طمسا جزئيا، كما سببت خروما لحقت ببعض الأوراق، و قد جعلت هذه الحالة قراءة المخطوط أمرا في غاية الصعوبة، و لذلك فقد استغرق نسخ هذا المخطوط قرابة العام.