وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٦٤ - الرابعة أنها محفوفة بأفضل الشهداء
الفصل السابع في سرد خصائصها
و هي كثيرة لا تكاد تنحصر، و ها أنا ذاكر ما حضرني منها الآن و إن شاركتها مكة في بعضه، فأقول و بالله التوفيق:
الخاصة الأولى: ما تقدمت الإشارة إليه من كونه (صلّى اللّه عليه و سلم) خلق من طينتها،
و كذا أبو بكر و عمر (رضي الله عنهما) و أكثر الصحابة و السلف ممن دفن بها و روى أن الله تعالى بعث جبريل و ميكائيل ليقبضا قبضة من الأرض بقدميه، فصار بعض الأرض بين قدميه و بعض الأرض موضع أقدامه، فخلقت النفس مما مس قدم إبليس؛ فصارت مأوى الشر، و من التربة التي لم يصل إليها قدم إبليس أصل الأنبياء و الأولياء.
قال في العوارف: و كانت درة رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) موضع نظر الله تعالى من قبضة عزرائيل لم يمسها قدم إبليس.
و قيل: لما خاطب الله السموات و الأرض بقوله: ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً [فصلت:
١١] الآية أجاب من الأرض موضع الكعبة و من السماء ما يحاذيها.
و عن ابن عباس: أصل طينة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) من سرة الأرض بمكة، يعني الكعبة، و هو مشعر بأن ما أجاب من الأرض درته (صلّى اللّه عليه و سلم) و من الكعبة دحيت الأرض؛ فصار (صلّى اللّه عليه و سلم) هو الأصل في التكوين.
قال في العوارف عقبه: و تربة الشخص مدفنه، فكان مقتضى ذلك أن يكون مدفنه هناك، لكن قيل: لما تموج الماء رمى الزبد إلى النواحي، فوقعت جوهرة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى ما يحاذي تربته الشريفة بالمدينة، فكان مكيا مدنيا.
قلت: فلمكة الفضل بالبداية، و للمدينة بالاستقرار و النهاية.
الثانية: اشتمالها على البقعة التي انعقد الإجماع على تفضيلها على سائر البقاع،
كما تقدم تحقيقه.
الثالثة: دفن أفضل الأمة بها
و الكثير من الصحابة الذين هم خير القرون.
الرابعة: أنها محفوفة بأفضل الشهداء
الذين بذلوا نفوسهم في ذات الله بين يدي نبيه (صلّى اللّه عليه و سلم)؛ فكان شهيدا عليهم.
و نقل عياض في المدارك و ابن الجوزي في منسكه أن مالكا كان يقول في فضل المدينة: هي دار الهجرة و السنة، و هي محفوفة بالشهداء، و بها خيار الناس بعد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم).