وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٨٧ - محراب المسجد النبوي، و متى صنع؟
الصناع فيه نتائج مبدعة من صنعة النجارة، و المحراب المذكور شبه باب نقنطر لموضع لطيف على ظهر الصندوق المذكور مكتوب في داخله أمام مستقبله بعد البسملة آية الكرسي، و على ظاهر الباب المقنطر بعد البسملة قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها [البقرة: ١٤٤] الآية، و فيه صنعة عجيبة و صبغ باللازورد و تذهيب عجيب يشغل الخاطر، و يفرق القلب الحاضر؛ إذ لا قلب أجمع و أعلى و أرفع من قلب سيد الأنام. عليه أفضل الصلاة و السلام، و قد قال في شأن الخميصة من أجل تلك الأعلام «اذهبوا بخميصتي [١] هذه إلى أبي جهم و ائتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي» و سيأتي أنه لما قال عمر بن عبد العزيز بعد زخرفة المسجد لعمرو بن عثمان (رضي الله عنه): بناؤنا أحسن أم بناؤكم؟ فقال له: بنيناه بناء المساجد، و بنيتموه بناء الكنائس.
و قال مالك فيما نقله عنه صاحب التبصرة: كره الناس ما فعل في قبلة المسجد بالمدينة من التزاويق؛ لأنه يشغل الناس في صلاتهم، و أرى أن يزال كل ما يشغل الناس عن الصلاة، و إن عظم ما كان أنفق فيه فالله تعالى يبعث لهذا المصلى الشريف من يزيل عنه هذه الزخارف و يسويه كما كان في زمن المصطفى (صلّى اللّه عليه و سلم) و قد أدعم هذا المحراب الخشبي من ورائه بدعامة شبه التاج العظيم حتى اتصل بالدرابزين الذي بين الأساطين في قبلة الروضة، و برز عنها، و جعل في أعلاه و عن يمينه و شماله مع امتداد الروضة مغارز لفرخات القناديل المسماة بالبزاقات تسرج في ليالي الزيارات، و في داخله كسوة جليلة من الحرير من جنس كسوة الحجرة الشريفة ذات طراز منسوج، و قد احترق ذلك كله في الحريق الثاني الآتي ذكره، و ذلك بعد تمام هذا التأليف، فاقتضى رأي متولي العمارة الحادثة بعد ذلك إبداله بمحراب مرخّم في دعامة تبني في محل الصندوق المذكور، فحفروا هناك لأساسها نحو القامة، فوجدوا هناك قبرا بدا لحده مسدودا باللبن أخرجوا منه بعض العظام، و وجدوا الأقدمين لما أسسوا الأسطوانة التي عنده حرفوا أساسها عنه قليلا، فتركوه على حاله، و أسسوا للمحراب المذكور، و رخموه بالرخام الملون ترخيما بديعا فيه صبغ ذهبي و غيره، و هو أبهى منظرا من الأول، و جعلوا أرض المحراب المذكور مرفعة قليلا على المصلى الشريف؛ لأنه إنما جعل في محل الصندوق الذي كان أمام المصلى الشريف، فليتنبه لذلك، و الله أعلم.
تنبيهات- الأول: قال البخاري في صحيحه «باب قدركم ينبغي أن يكون بين المصلى و السترة» ثم روى عن سهل بن سعد قال: كان بين مصلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) و بين الجدار ممر
[١] الخميصة: ثوب أسود أو أحمر له أعلام.