وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٨٥ - محراب المسجد النبوي، و متى صنع؟
قلت: و قد سألت عن هذه الجزعة المتولى لأمر حاصل الحرم الشريف و خازن داره- و كان قديم الهجرة- و غيرهما فقالوا: إنه ليس عندهم بالحاصل شيء من ذلك، و لعل ذلك ذهب فيما أخذه الأمير جماز عند كسر حاصل الحرم الشريف، و قد وسع المحراب القبلي عما كان عليه و زيد في طوله بعد هدم الجدار القبلي بعد الحريق الثاني.
و قال ابن زبالة: إن ذرع ما بين المنبر و مقام النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) الذي كان يصلي فيه حتى توفي (صلّى اللّه عليه و سلم) أربعة عشر ذراعا و شبرا.
قلت: و قد ذرعت ما بين المنبر الموجود قبل الحريق الثاني و أعلى الحفرة الذي ينزل منه إلى درجتها من ناحية مؤخر المصلى الشريف، فكان أربعة عشر ذراعا، و عرض الدرجة شبر راجح؛ فصح ذلك، و أما حده من جهة المشرق فسيأتي أن جعله على هذه الهيئة الموجودة اليوم أمر حادث.
و قد قال ابن زبالة: إن ذرع ما بين مصلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) من مسجده الأول و بين أسطوان التوبة سبع عشرة ذراعا، و أسطوان التوبة في جهة المشرق، و قد ذرعت ما بينها و بين درجة الحفرة الشرقية فكانت ست عشرة ذراعا، فعلمنا بذلك أن المصلى الشريف في جانب الحفرة الغربي، و أن ما يلي المشرق منها ليس منه، و يشهد له ما سبق من كلام مالك و الإحياء لذكرهما السارية التي عندها الصندوق، بل في خط الأقشهري في مصنفه في الزيادة ضبط قول ابن زبالة فيما بين المصلى الشريف و أسطوان التوبة تسع عشرة ذراعا- بتقديم التاء على السين- و قد ذرعت ما بين طرف أسطوان التوبة الشرقي و بين طرف الحفرة الغربي فكان كذلك.
و نقل الأقشهري أيضا عن أبي غسان أحد أصحاب مالك أن ما بين الحجرة الشريفة و مقام النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) الذي كان يقوم فيه ثمانية و ثلاثون ذراعا، و أنا ما بينه و بين المنبر الشريف مثل ما سبق عن ابن زبالة، و قد اختبرت ما بين طرف الحفرة الغربي و رخام جدار الحجرة الشريفة فكان ثمانية و ثلاثين ذراعا، فعلمنا أن المحاف عليه في حد المصلى الشريف هو طرف الحفرة الغربي، و لم تكن هذه الحفرة في الزمن القديم، و لهذا قال المجد: حكى ابن النجار الإجماع على أن المصلى الشريف لم يغير بتقديم و تأخير، و إنما غيرت هيئته في هذا العصر الأخير بجعل المصلى شبه حفير أو حوض صغير منخفض عن موقف المأمومين نحو ذراع بسبب ترخيمه و تكاثر الرمل المفروش به الروضة.
قلت: و هو الآن شبه حوض مربع ينزل إليه بدرجة طوله ذراعان و نصف و ثمن، و عرضه ذراعان و نصف و نصف ثمن، لكن زادوا في طوله في العمارة الحادثة بعد الحريق أرجح من نصف ثمن ذراع و نحوه في العرض.