وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١١٩ - هل رؤيت النار ببصرى
تعالى، فرجعت تسير في الشرق، و هو مؤيد لما ذكره القطب، و مشاهدة آثارها اليوم تقضي بذلك.
قال المطري: و أخبرني بعض من أدركها من النساء أنهن كن يغزلن على ضوئها بالليل على أسطحة البيوت بالمدينة الشريفة.
و قال القسطلاني: إن ضوءها استوى على ما بطن من القيعان [١]، و ظهر من القلاع، حتى كأن الحرم النبوي عليه الشمس مشرقة، و جملة أماكن المدينة بأنوارها محدقة، و دام على ذلك لهبها حتى تأثر له النيران، و صار نور الشمس على الأرض تعتريه صفرة، و لونها من تصاعد الالتهاب يعتريه حمرة، و القمر كأنه قد كسف من اضمحلال نوره، قال:
و أخبرني جمع ممن توجه للزيارة على طريق المشيان أنهم شاهدوا ضوءها على ثلاثة مراحل للمجدّ، و آخرون أنهم شاهدوها من جبال ساية.
قلت: نقل أبو شامة عن مشاهدة كتاب الشريف سنان قاضي المدينة أن هذه النار رئيت من مكة و من الفلاة جميعها، و رآها أهل ينبع.
قال أبو شامة: و أخبرني بعض من أثق به ممن شاهدها بالمدينة أنه بلغه أنه كتب بتيماء على ضوئها الكتب.
و قال المجد: و الشمس و القمر في المدة التي ظهرت بها ما يطلعان إلا كاسفين.
قال أبو شامة: و ظهر عندنا بدمشق أثر ذلك الكسوف من ضعف النور على الحيطان، و كنا حيارى من سبب ذلك، إلى أن بلغنا الخبر عن هذه النار، و كل من ذكر هذه النار يقول في آخر كلامه: و عجائب هذه النار و عظمتها يكلّ [٢] عن وصفها البنان و الأقلام، و تجل عن أن يحيط بشرحها البيان و الكلام؛ فظهر بظهورها معجزة للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لوقوع ما أخبر به و هي هذه النار؛ إذ لم تظهر من زمنه (صلّى اللّه عليه و سلم) قبلها و لا بعدها نار مثلها.
هل رؤيت النار ببصرى
و قال القسطلاني: إن جاء من أخبر برؤيتها ببصرى فلا كلام، و إلا فيحتمل أن يكون ذكر ذلك في الحديث على وجه المبالغة في ظهورها، و أنها بحيث ترى، و قد جاء من أخبر أنه أبصرها بتيماء، و بصرى منها مثل ما هي من المدينة في البعد.
قلت: قد تقدم عن القرطبي أنه بلغه أنها رئيت من جبال بصرى، و صرح الشيخ عماد الدين بن كثير بما يقتضي أنه أضاءت من هذه النار أعناق الإبل ببصرى، فقال: أخبرني قاضي القضاة صدر الدين الحنفي قال: أخبرني والدي الشيخ صفي الدين مدرس مدرسة
[١] القيعان: (ج) قاع، أرض سهلة مستوية مطمئنة عما يحيط بها من الجبال و الآكام، تنصبّ إليها مياه الأمطار فتمسكها ثم تنبت العشب.
[٢] كلّ: كلولا و كلالة: ضعف و عجز.