وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٤١ - قصة العرنيين
بقية السرح و أخذت بأعناق القوم، فقال له (صلّى اللّه عليه و سلم): إنهم ليقرون في غطفان، فقسم (صلّى اللّه عليه و سلم) في أصحابه في كل مائة جزورا، و أقاموا عليها، ثم رجع، و أفلتت امرأة الغفاري على ناقة من اللقاح حتى قدمت على رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) فأخبرته الخبر، و قالت: إني نذرت لله أن أنحرها إن أنجاني الله عليها، فتبسم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) و قال: بئس ما جزيتيها أن حملك الله عليها و نجاك بها ثم تنحرينها، إنه لا نذر في معصية الله و لا فيما لا تملكين، هذه رواية ابن إسحاق، و قد ذكر فيها قتل اثنين من المسلمين.
و خرّج مسلم القصة عن سلمة مطولة و مختصرة، و خالف ما ذكره ابن إسحاق في مواضع: منها أنها كانت بعد انصرافه (صلّى اللّه عليه و سلم) من الحديبية، و جعلها ابن إسحاق قبلها، و منها:
أن فيه أن اللقاح كانت ترعى بذي قرد، و كذا هو في البخاري، و قال ابن إسحاق: بالغابة، و كذا هو في حديث سلمة الطويل، و لهذا قال عياض: إن الأول غلط، و يمكن الجمع بأنها كانت ترعى تارة هنا و تارة هناك، و منها: أنه قال فيه: خرجت قبل أن يؤذن بالأولى فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف فقال: أخذت لقاح رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) فصرخت ثلاث صرخات: يا صباحاه، فأسمعت ما بين لابتي المدينة، ثم اندفعت على وجهي حتى أدركتهم و قد أخذوا بذي قرد يسقون من الماء، و في رواية لمسلم ما يقتضي أن سلمة كان مع السرح [١] لما أغير عليه، و أنه قام على أكمة [٢] و صاح: يا صباحاه، ثلاثا، و هذا يرجح أن السرح كان بالغابة، و يبعد كونه بذي قرد، و لو كان بذي قرد لما أمكنه لحوقهم، و منها: أن فيه أنه استنقذ سرح رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) بجملته، و منها: أنه قال فيه: فرجعنا إلى المدينة، فو الله ما لبثنا بها إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) و قال القرطبي: لا يختلف أهل السير أن غزوة ذي قرد كانت قبل الحديبية، انتهى.
و ما في الصحيح من التاريخ لها أصح مما في السير، و يمكن الجمع بتكرر الواقعة، و يؤيده أن الحاكم ذكر في الإكليل أن الخروج إلى ذي قرد تكرر؛ ففي الأولى خرج إليها زيد بن حارثة قبل أحد، و في الثانية خرج إليها النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) في ربيع الآخر سنة خمس، و التالية هي المختلف فيها، انتهى. و الله أعلم.
ثم كانت قصة العرنيين.
قصة العرنيين
قلت: و ذلك أن ثمانية منهم، و في رواية من عكل، قدموا فأسلموا و اجتووا [٣]
[١] السّرح: ما يغدى به و يراح. و- الماشية.
[٢] الأكمة: التل المرتفع.
[٣] اجتووا المدينة: لم يوافقهم هواءها و استوبئوه.