وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٣٦ - عمرو بن عامر يصف البلاد لقومه
و قال ياقوت: إن عمرو بن عامر مات قبل سيل العرم، و صارت الرئاسة إلى أخيه عمران بن عامر الكاهن، و كان عاقرا لا يولد له، و إنه صاحب القصة مع طريفة الكاهنة، و إنها أقبلت عليه يوما و قالت: و الظلمة و الضياء، و الأرض و السماء، ليقبلن إليكم الماء، كالبحر إذا طما، فيدع أرضكم فلا يسفى عليها الصبا، و ذكر القصة، و أنه احتال لبيع أمواله بأن قال لحارثة أحد أولاد أخيه عمرو بن عامر إذا اجتمع الناس إليّ فإني سآمرك بأمر فأظهر فيه العصيان فإذا ضربت رأسك بالعصا فقم إليّ و الطمني، فقال: و كيف يلطم الرجل عمه؟ فقال: افعل يا بني فإن في ذلك صلاحك و صلاح قومك، و ذكر القصة، قال: فجاء بعد رحيلهم بمديدة السيل و قد خرب الجرذ السد فلم يجد مانعا، فغرق البلاد حتى لم يبق من جميع الأرضين و الكروم إلا ما كان في رءوس الجبال و الأمكنة البعيدة مثل ذمار [١] و حضرموت و عدن، و ذهبت الضياع و الحدائق و الجنان، و جاء السيل بالرمل و طمّها، فمضى على ذلك إلى اليوم، و باعد الله بين أسفارهم كما سألوا.
عمرو بن عامر يصف البلاد لقومه
و نقل رزين أن عمرو بن عامر الكاهن قال لهم عند خروجهم: سأصف لكم البلاد، فقال: من كان منكم ذا همّ بعيد، و جمل شديد، و مراد حديد، فليلحق بقصر عمان المشيد؛ فسكنها أزدعمان. قال: و من كان منكم ذا هم غير بعيد، و جمل غير شديد، و مراد غير حديد؛ فليلحق بالشعب من كرود- و هي من أرض همدان- فكان الذين سكنوه وداعة بن عمرو بن عامر فانتسبوا في همدان. قال: و من كان منكم ذا هم مدن، و جمل معن، فليلحق بالثنى من شن، و هو بالسراة، فسكنه أزدشنوءة. قال: و من كان منكم ذا جلد و بصر، و له صبر على أزمات الدهر، فليلحق ببطن مر، فسكنته خزاعة. قال: و من كان منكم يريد الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، فليلحق بالحرة ذات النخل؛ فكان الذين سكنوها الأوس و الخزرج. قال: و من كان يريد الخمر و الخمير، و الديباج و الحرير، و الأمر و التأمير، فليلحق ببصرى و سدير- و هما من أرض الشام- فكان الذين سكنوه آل جفنة بن غسان. قال: و من كان يريد الثياب الرقاق، و الخيول العتاق، و الكنوز من الأرزاق، فليلحق بالعراق؛ فكان الذين لحقوا بالعراق جذيمة الأبرش و من كان بالحيرة من غسان.
قلت: و قيل: إن الذي سجع لهم بذلك طريفة الكاهنة، و إنها قالت: و من كان منكم يريد الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل.
[١] ذمار: قرية بالقرب من صنعاء.