وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٨٨ - محراب المسجد النبوي، و متى صنع؟
المشاة، ثم روى عن سلمة- يعني: ابن الأكوع- قال: كان جدار المسجد عند المنبر ما كادت الشاة، تجوزها: أي المسافة، و هي ما بين المنبر و الجدار، و قوله في الحديث الأول «كان بين مصلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم)» أي: مقامه في صلاته، و كذا هو في رواية أبي داود، و قوله: «و بين الجدار» أي: جدار المسجد مما يلي القبلة كما صرح به من طريق ابن غسان في الاعتصام، و منه يعلم ما في قول النووي في شرح مسلم: يعني بالمصلى موضع السجود، و الحديث الثاني رواه الإسماعيلي بلفظ: كان المنبر على عهد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) ليس بينه و بين حائط القبلة إلا قدر ما تمر العنز. قال الكرماني في بيان مطابقته للتبويب: إن ذلك من حيث إنه (صلّى اللّه عليه و سلم) كان يقوم بجنب المنبر: أي و لم يكن لمسجده محراب، فيكون مسافة ما بينه و بين الجدار نظير ما بين المنبر و الجدار، فكأنه قال: الذي ينبغي أن يكون بين المصلى و سترته قدر ما كان بين منبره (صلّى اللّه عليه و سلم) و جدار القبلة.
قلت: و كأن الكرماني بنى ذلك على ما عهده في غالب المساجد من أن مصلى الإمام يكون إلى جانب المنبر، و قد تقدم بيان ما بينهما من المسافة و حكاية الإجماع على أنه لم يغير، و أيضا فلا يلزم من كونه (صلّى اللّه عليه و سلم) كان يصلي إلى جانب المنبر أن يكون بينه و بين الجدار نظير ما بين المنبر و الجدار كما لا يخفى، و أوضح مما ذكره- كما قال الحافظ ابن حجر- ما ذكره ابن رشد من أن البخاري أشار إلى حديث سعد بن سهل الذي في باب الصلاة على المنبر فإن فيه أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) «قام على المنبر حين عمل، و صلّى عليه» فاقتضى ذلك أن ما بين المنبر و الجدار يؤخذ منه موضع قيام المصلى.
قلت: لكن يلزم من ذلك التأخر عند السجود؛ لأن ذلك المقدار لا يتأتى فيه السجود، و قد ثبت رجوعه (صلّى اللّه عليه و سلم) القهقرى [١] من أجل السجود لما صلّى على المنبر لعدم تأتيه عليه.
و قال ابن بطال: هذا أقل ما يكون بين المصلى و سترته، يعني قدر ممر الشاة، و قيل:
أقل ذلك ثلاثة أذرع؛ لحديث بلال أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) «صلى في الكعبة و بينه و بين الجدار ثلاثة أذرع» كما في الصحيح، و جمع الداودي بأن أقله ممر الشاة، و أكثره ثلاثة أذرع، و جمع بعضهم بأن الأول في حال القيام و القعود، و الثاني في حال الركوع و السجود، قاله الحافظ ابن حجر.
قلت: و يلزمه التأخر عن موقفه الأول عندهما كما قدمناه، و هو متعين؛ إذ لا يتأتى
[١] رجع القهقرى: رجع على عقبيه.