وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٨٦ - محراب المسجد النبوي، و متى صنع؟
قال البدر بن فرحون و غيره: و ما زال العلماء الأئمة يتحرجون من ذلك، و في أيام القاضي السراج- و هو أول قاض ولي لأهل السنة- فمن بعده كانت ترفع تلك الحفيرة بالرمل حتى تزول الكراهة، إلى أيام الشرف الأسيوطي، فأراد طمس الحفرة أو رفعها و إزالة الخشب المنقوش أمامها الآتي ذكره، فقام عليه بعض الناس من الخدام، و استعانوا عليه بالأشراف، فكف و انتقل عن المحراب، و صار يصلي إلى الأسطوانة التي تقابل أسطوانة الوفود- أي من مقدم الروضة- و لزمها إلى أن مات، و صار من الفقهاء من يرفع الكراهة بما يحصل من القرب إلى مقامه (صلّى اللّه عليه و سلم) و موضع قدمه، و هذه نزغة؛ فقد كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و أصحابه في الموقف سواء، فمن خالف سنته بالهوى فقد غوى.
قلت: و هذه الحفرة بعيدة من موقف النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لعلو الأرض؛ لما سيأتي عن البدر بن فرحون أنهم وجدوا عند تجديد المنارة التي بباب السلام باب مروان و تحصيب المسجد الشريف القديم بعد حفر قامة، و لما اتضح لنا في العمارة الآتي ذكرها؛ فقد اعتبرت أرض الحجرة الشريفة و أرض المسجد، فكان بينهما من التفاوت ذراعان و نصف و أزيد، لكن مقتضى ما ظهر من الرخام الذي وصفه ابن زبالة حول المنبر و مشاهدتنا لما انكشف منه فيما بين المنبر و الأساطين التي خلفه عدم بعض أرض هذه الحفرة من محل الموقف الشريف في ذلك العصر؛ لأن نسبة ما بين هذه الحفرة و الرخام المذكور أقل من نصف ذراع، و قد حققت مسألة انخفاض المصلى الشريف في كتابي الموسوم «بكشف الجلباب و الحجاب عن القدوة في الشباك و الرحاب» و لم يتحرر لي ابتداء ترخيم المصلى الشريف و جعله على هذه الهيئة، و سماه ابن جبير في رحلته بالروضة الصغيرة، و قال: إن الإمام يصلي بالروضة الصغيرة المذكورة إلى جانبها الصندوق، و قال قبل ذلك في وصفها:
و بإزائها لجهة القبلة عمود مطبق يقال: إنه على بقية الجذع الذي حنّ للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و على حافتها في القبلة منها الصندوق، انتهى.
و لم يذكر فيها ترخيما و لا انخفاضا، مع ذكره لذلك في المحل الذي عليه المنبر كما سيأتي، و الظاهر أن حدوث انخفاض المصلى الشريف بما حوله تجدد بعد الحريق الأول، و قد اقتضى رأي متولي العمارة الحادثة بعد الحريق الثاني أن يخفض أرض المسجد حتى تكون مساوية للمصلى الشريف، فقطع من الأرض نحو ذراع؛ فكانوا يجدون طبقة من التراب، و تليها طبقة من الرمل، حتى وصلوا إلى الأرض المساوية للمصلى الشريف، و ظهر لهم الرخام الذي كان عليه المنبر الشريف بعد حفر نحو نصف ذراع، و حصل بذلك إزالة هذه البدعة، و لله الحمد و المنة.
و كان في قبلة المصلى الشريف صندوق خشب بديع الصنعة يعلوه محراب قد أمتج