وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٧٣ - الفصل السابع في مبدأ إكرام الله لهم بهذا النبي
صيفي بن النعمان أحد بني ضبيعة بن زيد، و هو أبو حنظلة الغسيل، و كان قد ترهب و لبس المسوح، فشقيا بشرفهما: أما عبد الله بن أبي فلما انصرف عنه قومه إلى الإسلام ضغن و رأى أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) قد استلبه ملكا، فلما راى قومه قد أبوا إلا الإسلام دخل فيه كارها مصرا على نفاق و ضغن، فكان رأس المنافقين، و إليه يجتمعون، و هو القائل في غزوة بني المصطلق لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ [المنافقين: ٨] و أما أبو عامر فأبى إلا الكفر و الفراق لقومه حين اجتمعوا على الإسلام. و أتى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) حين قدم المدينة فقال: ما هذا الدين الذي جئت به؟ قال: جئت بالحنيفية دين إبراهيم، قال: فأنا عليها، فقال له رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم): إنك لست عليها، قال: إنك أدخلت يا محمد في الحنيفية ما ليس منها، قال: ما فعلت، و لكني جئت بها بيضاء نقية، قال:
الكاذب أماته الله طريدا غريبا وحيدا، فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم): أجل، فمن كذب ففعل الله ذلك به، فكان هو ذاك عدو الله: خرج إلى مكة مفارقا الإسلام، فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم):
«لا تقولوا الراهب، و لكن قولوا الفاسق» فلما افتتح رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) مكة خرج إلى الطائف، فلما أسلم أهل الطائف لحق بالشام، فمات بها طريدا غريبا وحيدا.
و روى بعضهم أنه لم يكن في الأوس و الخزرج رجل أوصف لمحمد (صلّى اللّه عليه و سلم) من أبي عامر المذكور، و كان يألف اليهود و يسائلهم فيخبرونه بصفة رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) ثم خرج إلى يهود تيماء و إلى الشام، فسأل النصارى فأخبروه بذلك، فرجع و هو يقول: أنا على دين الحنيفية، و ترهب و لبس المسوح، و زعم أنه ينتظر خروج النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فلما ظهر بمكة لم يخرج إليه، فلما قدم المدينة حسد و بغى، و ذكر إتيانه النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) بنحو ما سبق، إلا أنه قال: فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم): «الكاذب أماته الله وحيدا طريدا» قال: آمين، ثم ذكر خروجه إلى مكة، و زاد: فكان مع قريش يتبع دينهم و ترك ما كان عليه؛ فهذا مصداق ما ذكرت عائشة (رضي الله عنها).
الفصل السابع في مبدأ إكرام الله لهم بهذا النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و ذكر العقبة الصغرى
اعلم أن تلك الحروب المتقدمة لم تزل بين الأوس و الخزرج حتى أكرمهم الله باتباعه (صلّى اللّه عليه و سلم) و ذلك أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) كان يعرض نفسه في كل موسم من مواسم العرب على قبائلهم، و يقول: أ لا رجل يحملني إلى قومه؟ فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي، فيأبونه و يقولون: قوم الرجل أعلم به.
و ذكر ابن إسحاق عرضه (عليه الصلاة و السلام) نفسه على كندة و على كلب و على بني