وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٢١ - من فوائد هذه النار
موضع يقال له قارع الهيلاء على قرب من مساكن قريظة شرقي قباء، فهي بين قريظة و موضع يقال له أحيليين، فثارت من هذا القاع، ثم امتدت فيه آخذة في الشرق إلى قريب من أحيليين، ثم عرجت و استقبلت الشام سائلة إلى أن وصلت إلى موضع يقال له قرين الأرنب بقرب من أحد، فوقفت و انطفت و انصرفت، انتهى.
من فوائد هذه النار
قال المؤرخون: و استمرت هذه النار مدة ظهورها تأكل الأحجار و الجبال، و تسيل سيلا ذريعا في واد يكون طوله مقدار أربعة فراسخ و عرضه أربعة أميال و عمقه قامة و نصف، و هي تجري على وجه الأرض و الصخر يذوب حتى يبقى مثل الآنك [١]، فإذا خمد اسودّ بعد أن كان أحمر، و لم يزل يجتمع من هذه الحجارة المذابة في آخر الوادي عند منتهى الحرة حتى قطعت في وسط وادي الشظاة إلى جهة جبل وعيرة، فسدت الوادي المذكور بسد عظيم من الحجر المسبوك بالنار و لا كسد ذي القرنين، يعجز عن وصفه الواصف، و لا مسلك لإنسان فيه و لا دابة.
قلت: و هذا من فوائد إرسال هذه النار؛ فإن تلك الجهة كثيرا ما يطرق منها المفسدون لكثرة الأعراب بها؛ فصار السلوك إلى المدينة متعسّرا عليهم جدّا.
قال القسطلاني: أخبرني جمع ممن أركن إلى قولهم إن النار تركت على الأرض من الحجر ارتفاع رمح طويل على الأرض الأصلية.
قال المؤرّخون: و انقطع وادي الشظاة بسبب ذلك، و صار السيل إذا سال ينحبس خلف السد المذكور حتى يصير بحرا مد البصر عرضا و طولا، فانخرق من تحته في سنة تسعين و ستمائة لتكاثر الماء من خلفه، فجرى في الوادي المذكور سنتين كاملتين، أما السنة الأولى فكان قد ملأ ما بين جانبي الوادي، و أما الثانية فدون ذلك، ثم انخرق مرة أخرى في العشر الأول بعد السبعمائة فجرى سنة كاملة أو أزيد، ثم انخرق في سنة أربع و ثلاثين و سبعمائة و كان ذلك بعد تواتر أمطار عظيمة في الحجاز، فكثر الماء و علا من جانبي السد و من دونه مما يلي جبل وعيرة و تلك النواحي، فجاء سيل طام لا يوصف، و لو زاد مقدار ذراع في الارتفاع وصل إلى المدينة، و كان أهل المدينة يقفون خارج باب البقيع على التل الذي هناك فيشاهدونه و يسمعون خريرا توجل القلوب دونه، فسبحان القادر على ما يشاء!
[١] الآنك: الرصاص.