وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٤٣ - بسر بن أرطاة يغزو المدينة
يذوب الملح في الماء» و كذا في مسلم أيضا، و في فضائل المدينة للجندي حديث «أيما جبّار أراد المدينة بسوء أذابه الله تعالى كما يذوب الملح في الماء» و في رواية لمسلم «من أراد أهل هذه البلدة بسوء- يعني المدينة- أذابه الله تعالى كما يذوب الملح في الماء» في رواية له أيضا «من أراد أهل هذه البلدة بدهم أو بسوء»، و روى البزار بإسناد حسن حديث: «اللهم اكفهم من دهمهم ببأس» يعني أهل المدينة «و لا يريدها أحد بسوء إلا أذابه الله كما يذوب الملح في الماء».
و قوله: «دهمهم» محركا أي: غشيهم بسرعة، و قوله في الحديث قبله «بدهم» بفتح أوله و إسكان ثانيه- أي بغائلة و أمر عظيم، و لذا قيل: المراد غازيا مغيرا عليها.
و في البخاري حديث «لا يكيد أهل المدينة أحد إلا انماع كما ينماع الملح في الماء» و أسند ابن زبالة عن سعيد بن المسيب أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) أشرف على المدينة فرفع يديه حتى رؤي عفرة إبطيه ثم قال: «اللهم من أرادني و أهل بلدي بسوء فعجّل هلاكه» و روى الطبراني في الأوسط برجال الصحيح حديث: «اللهم من ظلم أهل المدينة و أخافهم فأخفه و عليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين، لا يقبل منه صرف و لا عدل» و في رواية لغيره:
«من أخاف أهل المدينة أخافه الله يوم القيامة، و غضب عليه، و لم يقبل منه صرفا و لا عدلا» و روى النسائي حديث: «من أخاف أهل المدينة ظالما لهم أخافه الله، و كانت عليه لعنة الله» الحديث، و لابن حبان نحوه، و روى أحمد برجال الصحيح عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) أن أميرا من أمراء الفتنة قدم المدينة، و كان قد ذهب بصر جابر، فيل لجابر: لو تنحيت عنه، فخرج يمشي بين ابنيه، فنكب، فقال: تعس من أخاف رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم)! فقال ابناه، أو أحدهما: يا أبت، فكيف أخاف رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) و قد مات؟ فقال:
سمعت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) يقول: «من أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين جنبي».
بسر بن أرطاة يغزو المدينة
قلت: و الظاهر أن الأمير المشار إليه هو بسر بن أرطاة.
قال القرطبي: ذكر في رواية ابن عبد البر أن معاوية (رضي الله عنه) بعد تحكيم الحكمين أرسل بسر بن أرطأة في جيش، فقدموا المدينة، و عاملها يومئذ لعلي (رضي الله عنه) أبو أيوب الأنصاري- (رضي الله عنه)!- ففر أبو أيوب و لحق بعلي، و دخل بسر المدينة، و قال لأهلها: و الله لو لا ما عهد إلى أمير المؤمنين ما تركت فيها محتلما إلا قتلته، ثم أمر أهل المدينة بالبيعة لمعاوية، و أرسل إلى بني سلمة فقال: ما لكم عندي أمان و لا مبايعة حتى تأتوني بجابر بن عبد الله، فأخبر جابر، فانطلق حتى جاء أم سلمة زوج النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال لها: ما ذا ترين فإني أخشى أن أقتل، و هذه بيعة ضلال، فقالت: أرى أن