وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٩٤ - الثامنة حكم نقل تراب الحرم المدني
بحجارة الحرم، انتهى. و هي محتملة لما قررناه، و قد نقل النووي عدم جواز الأكل في الأواني المعمولة من تراب الحرم، على ما قاله الدميري، و لا شك أنه إنما عنى به المنع منه لمن أخرجها من الحرم كما لا يخفى.
الثامنة: حكم نقل تراب الحرم المدني
جزم النووي بتحريم نقل تراب الحرم المدني و أحجاره، اكتفاء بما ذكره من الخلاف في الحرم المكي، و صحح فيه التحريم، و الرافعي الكراهة، و نقلها النووي عن كثيرين أو الأكثرين، و نقلها القاضي أبو الطيب عن نص الشافعي في القديم، و نقل التحريم عن نصه في الجامع الكبير؛ و قال في الأم في حجارة الحرم و ترابه: لا خير في أن يخرج منها شيء إلى الحل، لأن له حرمة باين بها ما سواها من البلدان، فلا أرى- و الله أعلم- أن جائزا لأحد أن يزيله من الموضع الذي باين به البلدان؛ إذ يصير كغيره.
و روى الشافعي عن ابن عباس و ابن عمر (رضي الله عنهما) كراهة ذلك. قال الشافعي:
و قال غير واحد من أهل العلم: لا ينبغي أن يخرج من الحرم شيء إلى غيره. و حكى الشافعي عن أبي يوسف أنه قال: سألت أبا حنيفة عن ذلك فقال: لا بأس به. قال أبو يوسف: و حدثنا شيخ عن رزين مولى علي بن عبد الله بن عباس أن عليا كتب إليه أن يبعث إليه بقطعة من المروة [١] فيتخذه مصلى يسجد عليه، و نقل القاضي أبو الطيب عن الشافعي أنه قال: رخص بعض الناس في ذلك، و احتج بشراء البرام من مكة، و هو غلط؛ فإن البرام ليست من حجارة الحرم، بل تحمل من مسيرة يومين و ثلاثة من الحرم، و حكى في شرح المهذب اتفاق الأصحاب على أن الأولى أن لا يحمل تراب الحل و أحجاره إلى الحرم؛ لئلا يحدث لها حرمة لم تكن، قال: و لا يقال «إنه مكروه» مع إطلاقه في الروضة و المناسك كراهته، فكأنه أراد بها معنى خلاف الأولى. و قول صاحب البيان «قال الشيخ أبو إسحاق: لا يجوز إدخال شيء من تراب الحل و أحجاره إلى الحرم» محمول على نفي الإباحة بمعنى استواء الطرفين، كما وقع مثله في مواضع، و بناء آدم البيت من أجبل ليست من الحرم كلبنان و طور سيناء: إما لأن تحريم الحرم إنما تعلق حكمه و ظهر على لسان إبراهيم (عليه السلام)، و إما لأن شرعه اقتضى ذلك، مع أن الظاهر استثناء نقل حجارة الحل لمصلحة يقتضيها الحال، و ما نقله أهل السير من أنهم كانوا يأخذون من تراب قبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فأمرت عائشة (رضي الله عنها) بجدار فضرب عليهم، لا متمسك فيه؛ إذ لم يعرف الفاعل، بل الظاهر أنه ممن لا يحتج بفعله، و أمر عائشة بضرب الجدار يقتضي المنع من
[١] المرو: حجارة بيض رقاق برّاقة تقدح منها النار.