وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٦٥ - الفصل الثاني في ذرعه و حدوده التي يتميز بها عن سائر المسجد اليوم
و قال في موضع آخر: عرض المرمر الذي حول المنبر ثمانية أذرع، و طوله ثماني عشرة ذراعا، و سماه في موضع آخر رخاما، و هو يطلق عليه لغة، و سيأتي ذكر هذه الدكة التي المنبر في وسطها عن ابن النجار حيث قال: و ارتفاع الدكة التي المنبر عليها شبر و عقد، فكأن الكبس علا؛ فإنها كانت ذراعا في زمن ابن زبالة، و في زمن ابن النجار شبرا و عقدا، ثم علا الكبس فلم يوجد اليوم، و قد ظهر أثرها و أثر الرخام المذكور عند حفر ما حول المنبر الشريف، و شاهدت الرخام الذي في قبلته كما سيأتي، و تلخص من هذا أن المرمر كان في جهة القبلة ثلاثة أذرع بعد المنبر، و الظاهر أن عرض جدار المسجد الشريف أدخل في ذلك من جهة القبلة؛ فقد روى يحيى في ترجمة ما جاء في زيادة الوليد أن عمر بن عبد العزيز أحضر رجالا من قريش فأروه مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) و الذي زاد فيه عمر، و الذي زاد فيه عثمان، فعلم عمر بن عبد العزيز المسجد الأول الذي كان على عهد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) فكان جدار القبلة من وراء المنبر ذراعا و أكثر من ذراع. و روى ابن زبالة أخبارا تتضمن أن جدار القبلة كان بينه و بين المنبر قدر ممر العنز، و في العتبية ممر الرجل منحرفا، و في الصحيح عن سهل: كان بين مصلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) و بين الجدار ممر الشاة.
و فيه أيضا عن سلمة: كان جدار المسجد عند المنبر ما كادت الشاة تجوزه؛ فتعين ما أشرنا إليه من إدخال جدار المسجد في ذلك الممر الذي جعل علامة في جهة القبلة، و أما الطاقات الأربع التي ذكرها علامة لنهاية المسجد من جهة الشام فغير معروفة اليوم، إلا أنه سيأتي فيما نقله المرجاني عن الحارث المحاسبي ما يبين محلها.
و أما الجواب على ما ذكر المطري من كون الدرابزينات متقدمة فالظاهر أن ابن النجار فهم أن المراد إدخال عرض الجدار الذي كان موجودا في زمنه (صلّى اللّه عليه و سلم) لما تقرر عندنا من أن جدار المسجد من جملة المسجد، و يؤيده ما تقدم من التحديد بالمرمر من تلك الجهة، و ما سيأتي في الفصل الثاني عشر من رواية أحمد عن نافع أن عمر (رضي الله عنه) زاد في المسجد من الأسطوانة- أي التي عند المصلى الشريف- إلى المقصورة؛ لأن ذلك هو الرواق الذي بين الأساطين التي في قبلة الروضة و بين الأساطين التي تليها في القبلة. و قد قال المراغي: إن الذي ظهر له أن الصندوق الذي في قبلة المصلى الشريف جعل في مكان الجدار القديم، و يشهد له ما سيأتي عن يحيى في ذرع ما بين المصلى الشريف و جدار القبلة اليوم، لكن عرض هذا الصندوق ذراعان، و بينه و بين الدرابزين أرجح من نصف ذراع، و ذلك فيما يظهر أزيد من عرض الجدار القديم بنحو الذراع؛ لأني شاهدت لبنا أخرج من جدران الحجرة الشريفة في العمارة التي أدركناها أولا يزيد في الطول على الذراع، و عرضه نصف ذراع، و سمكه ربع ذراع، و فيه شيء مرتفع طوله و عرضه و سمكه واحد، و كل ثنتين منه طول لبنة مما قدمناه، و الذي يظهر أنه كان من بقايا لبن الحجرة