وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٠٥ - الفصل الحادي عشر في قدومه
و بعث رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) زيد بن حارثة و أبا رافع إلى مكة أعطاهما خمسمائة درهم و بعيرين، فقدما عليه بفاطمة و أم كلثوم بنتيه و سودة زوجته و أم أيمن زوج زيد بن حارثة و أسامة بن زيد، و خرج عبد الله بن أبي بكر معهم بعيال أبي بكر فيهم عائشة و أختها أسماء زوج الزبير و أمها أم رومان، فلما قدموا المدينة أنزلهم في بيت حارثة بن النعمان.
و قال رزين: إن أبا بكر أرسل عبد الله بن أريقط مع زيد بن حارثة ليأتيه بعائشة و أم رومان أمها و عبد الرحمن.
قال بعضهم: و وجدوا طلحة بن عبيد الله على خروج، فخرج معهم، فقدموا كلهم.
و روى ابن إسحاق عن أبي أيوب الأنصاري قال: لما نزل عليّ رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) في بيتي نزل في السفل و أنا و أم أيوب في العلو، فقلت له: يا نبي الله، بأبي أنت و أمي، إني أكره و أعظم أن أكون فوقك و تكون تحتي، فاظهر أنت فكن في العلو و ننزل نحن فنكون في السفل، فقال: يا أبا أيوب إن أرفق بنا و بمن يغشانا أن نكون في سفل البيت، قال:
فكان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) في سفله، و كنا فوقه في المسكن، فلقد انكسر حب لنا [١] فيه ماء، فقمت أنا و أم أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها ننشف بها الماء تخوفا أن يقطر على رأس رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) منه شيء فيؤذيه.
قلت: و ذكر بعضهم أن ذلك هو سبب سكناه في العلو بعد ذلك، و الذي في صحيح مسلم عن أبي أيوب أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) نزل عليه، فنزل (صلّى اللّه عليه و سلم) في السفل و أبو أيوب في العلو، فانتبه أبو أيوب ليلة فقال: نمشي فوق رأس النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)؟! فتنحوا و باتوا في جانب، ثم قال للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلم): السفل أرفق، فقال: لا أعلو سقيفة و أنت تحتها، فتحول النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) في العلو و أبو أيوب في السفل.
و قد قدمنا في آخر الفصل الرابع أن ابن إسحاق ذكر أن هذا البيت بناه تبّع الأول لما مرّ بالمدينة للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) ينزله إذا قدم المدينة، فتداول البيت الملاك إلى أن صار لأبي أيوب، و أن أبا أيوب من ذرية الحبر الذي أسلمه تبع كتابه.
و قد نقل الحافظ ابن حجر ذلك عن حكاية ابن هشام في التيجان، قال: و أورده ابن عساكر في ترجمة تبع، فما نزل (صلّى اللّه عليه و سلم) إلا في بيته، و قد ابتاع المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بيت أبي أيوب هذا من ابن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري بألف دينار، فتصدق به، و هو في شرقي المسجد المقدس كما سيأتي في الدور المطيفة بالمسجد.
و قد اشترى الملك المظفر شهاب الدين غازي بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب بن شادي عرصة دار أبي أيوب هذه، و بناها مدرسة للمذاهب الأربعة،
[١] الحب: الجرّة.