وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٠٦ - الفصل الحادي عشر في قدومه
و وقف عليها أوقافا بميّافارقين التي هي دار ملكه، و بدمشق لها وقف آخر أيضا، و لها بالمدينة الشريفة أيضا وقف من النخيل و غيرها، غير أنه شمل ذلك ما عم الأوقاف، و كان بها كتب كثيرة نفيسة فتفرقت أيدي سبا، و آل حال هذه المدرسة إلى التعطيل، فسكنها بعض نظارها، فتشاءمت على عياله، و اتصل ذلك بسلطان مصر فخرج منها، و المدرسة قاعتان: كبرى، و صغرى، و في إيوان الصغرى الغربي خزانة صغيرة جدا، فما يلي القبلة فيها محراب.
قال المطري: يقال إنها مبرك ناقة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم).
و كانت إقامته (صلّى اللّه عليه و سلم) بهذه الدار كما أفاده ابن سعد سبعة أشهر: أي: بتقديم السين على الباء، حتى بنى مساكنه. و قال رزين: أقام عند أبي أيوب من شهر ربيع الأول إلى صفر من السنة الثانية، و قال الدولابي: شهرا، و في كتاب يحيى عن زيد بن ثابت: لما نزل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) على أبي أيوب لم يدخل منزل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) هدية أول من هدية دخلت بها عليه قصعة مثرودة خبز بر و سمنا و لبنا فأضعها بين يديه، فقلت: يا رسول الله أرسلت بهذه القصعة أمي، فقال: بارك الله فيها، و دعا أصحابه فأكلوا، فلم أرم الباب [١] حتى جاءت قصعة سعد بن عبادة على رأس غلام مغطاة، فأقف على باب أبي أيوب فأكشف غطاءها لأنظر، فرأيت ثريدا عليه عراق، فدخل بها على رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) قال زيد: فقد كنا في بني مالك بن النجار ما من ليلة إلا على باب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) منا الثلاثة و الأربعة يحملون الطعام و يتناوبون بينهم، حتى تحول رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) من بيت أبي أيوب، و كان مقامه فيه سبعة أشهر، و ما كانت تخطئه جفنة سعد بن عبادة و جفنة أسعد بن زرارة كل ليلة.
و فيه أنه قيل لأم أبي أيوب: أيّ الطعام كان أحب إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) فإنكم عرفتم ذلك لمقامه عندكم؟ قالت: ما رأيته أمر بطعام فصنع له بعينه، و لا رأيناه أتى بطعام قط فعابه.
و قد أخبرني أبو أيوب أنه تعشى عنده ليلة من قصعة أرسل بها سعد بن عبادة طفيشل [٢] فقال أبو أيوب: فرأيت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) ينهل تلك القدر ما لم أره ينهل غيرها، فكنا نعملها له، و كنا نعمل له الهريس و كانت تعجبه، و كان يحضر عشاءه خمسة إلى ستة عشر كما يكون الطعام في الكثرة و القلة.
[١] لم أرم الباب: لازمته.
[٢] طفيشل: نوع من الأدم.