وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٨٩ - قصة أم معبد
و نحن في سنة [١]، فنظر إلى شاة قد نحلت عجفاء من الهزال، فقال: قرّبي لي هذه الشاة، فقربتها، فمسح ضرعها بيده المباركة و سمّى و دعا، ثم قال: هات قدحا، فجاءت بقدح، فحلب فيه حتى امتلأ، فأمر أبا بكر أن يشرب، فقال: بل أنت فاشرب يا رسول الله، قال: ساقي القوم آخرهم شربا، فشرب أبو بكر، ثم حلب فشرب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) ثم حلب فشربت أم معبد، ثم حلب فقال: ارفعي هذا لأبي معبد إذا جاءك، ثم ركبوا و ساروا، فلما أتى أبو معبد أخبرته بما رأت، و سقته اللبن، فعلم أنه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) فركب راحلته و خرج في أثره يطلب أن يسلم، فقيل: إنه قال في طريقه:
جزى الله ربّ الناس خير جزائه * * * رفيقين قالا خيمتي أم معبد
هما نزلاها بالهدى فاهتدت به * * * فقد فاز من أمسى رفيق محمد
فيا لقصيّ ما زوى الله عنكم * * * به من فعال لا تجارى و سودد
ليهن بني كعب مكان فتاتهم * * * و مقعدها للمؤمنين بمرصد
سلوا أختكم عن شاتها و إنائها * * * فإنكم إن تسألوا الشّاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلّبت * * * له بصريح ضرة الشاة مزبد
فغادرها رهنا لديها لحالب * * * يرددها في مصدر ثم مورد
و قال الشرقي: بلغني أن أبا معبد أدركهما ببطن ريم، فبايع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) و انصرف.
قلت: و ذكر غير رزين هذه الأبيات كلها فيما سمع بأسفل مكة من القائل الذي لا يدرون، فلما سمع حسان بن ثابت شاعر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) بذلك جعل يجاوب الهاتف و يقول:
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم * * * و قدّس من يسري إليهم و يغتدي
ترحّل عن قوم فضلت عقولهم * * * و حلّ على قوم بنور مجدّد
هداهم به بعد الضلالة ربّهم * * * و أرشدهم؛ من يتبع الحق يرشد
و هل يستوي ضلّال قوم تسكعوا * * * عمى و هداة يهتدون بمهتد [٢]
لقد نزلت منه على أهل يثرب * * * ركاب هدى رحّلت عليهم بأسعد
نبي يرى ما لا يرى الناس حوله * * * و يتلو كتاب الله في كل مسجد
و إن قال في يوم مقالة غائب * * * فتصديقها في اليوم أو في ضحى غد
ليهن أبا بكر سعادة جدّه * * * بصحبته؛ من يسعد الله يسعد
[١] السنة: القحط و الجدب.
[٢] تسكع: لم يهتد لوجهته.