وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٩١ - هل مصلاه
و روى ابن زبالة عن عمرو بن مسلم قال: كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) حين أسن قد جعل له العود الذي في المقام، إذا قام في الصلاة توكأ عليه، قال: ثم ألصق إليه عود معه، و روى أيضا هو و يحيى من طريقه عن مسلم بن خباب قال: لما قدم عمر (رضي الله عنه) القبلة فقد العود الذي كان مغروسا في الجدار، فطلبوه، فذكر لهم أنه في مسجد بني عمرو بن عوف أخذوه فجعلوه في مسجدهم، فأخذه عمر فرده إلى المحراب، و كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا قام إلى الصلاة أمسكه بكفه يعتمد عليه، ثم يلتفت في شقه الأيمن فيقول: عدّلوا صفوفكم، ثم يلتفت إلى الأيسر فيقول مثل ذلك، ثم يكبر للصلاة، و ذلك العود من طرفاء الغابة [١].
هل مصلاه (صلّى اللّه عليه و سلم) على عين القبلة أو جهتها؟
التنبيه الثالث: أسند يحيى عقب ما تقدم عن ابن عباس قال: كنت أرى صفحة خد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) اليمنى في مسجده يتيامن.
و عن عروة: كان الزبير بن العوام و أناس من أصحاب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) يتيامنون و يقولون: إن البيت تهامي، قال يحيى: و سمعت غير واحد من مشايخنا ممن يقتدى به يقول: المنبر على القبلة.
قلت: لعل ما ذكره من التيامن في غير المصلى الشريف، و الذي ذكره أصحابنا أنه لا يجتهد في محراب النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لأنه صواب قطعا؛ إذ لا يقر على خطأ؛ فلا مجال للاجتهاد فيه حتى لا يجتهد في اليمنة و اليسرة، بخلاف محاريب المسلمين، سيما و قد تقدم أنه وضعه و جبريل يؤم به البيت، و المراد بمحرابه (صلّى اللّه عليه و سلم) مكان مصلاه، فإنه لم يكن في زمنه (صلّى اللّه عليه و سلم) محراب، نعم إن ثبت تيامنه (صلّى اللّه عليه و سلم) في مكان مصلاه فما نقله متجه، و يؤيده أن الدكة التي ظهرت في محل المنبر و وجد فيها آثار قوائم المنبر النبوي كما سيأتي متيامنة، و لذا حرّضت على بقائها على ما وجدت عليه فبقيت على حالها، إلا أنهم وضعوا المنبر عليها غير متيامن فصار محرفا عنها، و عبارة النووي في التحقيق: و كل موضع صلّى فيه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) و ضبط موقفه تعين، و لا يجتهد فيه بتيامن و لا تياسر، انتهى.
و قال الشيخ محب الدين الطبري في شرح التنبيه، و من خطه نقلت: إن قيل محرابه (صلّى اللّه عليه و سلم) على عين الكعبة؛ إذ لا يجوز فيه الخطأ، فيلزم مما قلتم أنه لا يصح صلاة من بينه و بينه من أحد جانبيه أكثر من سمت الكعبة إلا مع الانحراف.
قلنا: من أين لكم أنه على يمين الكعبة؟ فيجوز أن يكون ذلك و لا خطأ بناء على أن
[١] الطرفاء: جنس من النبات منه أشجار و جنبات من الفصيلة الطرفاوية، و منه الأثل.