وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٠٦ - سبب نقمة يزيد بن معاوية على أهل المدينة
المدينة يتحدثون أن معاوية (رضي الله عنه) لما احتضر دعا يزيد فقال له: إن لك من أهل المدينة يوما، فإن فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة فإني عرفت نصيحته، فلما ولي يزيد وفد عليه عبد الله بن حنظلة و جماعة، فأكرمهم و أجازهم، فرجع فحرض الناس على يزيد، و عابه، و دعاهم إلى خلع يزيد، فأجابوه، فبلغ ذلك يزيد، فجهز إليهم مسلم بن عقبة، فاستقبلهم أهل المدينة بجموع كثيرة، فهابهم أهل الشام و كرهوا قتالهم، فلما نشب القتال سمعوا في جوف المدينة التكبير؛ و ذلك أن بني حارثة أدخلوا قوما من الشاميين من جانب المدينة، فترك أهل المدينة القتال، و دخلوا المدينة خوفا على أهليهم، فكانت الهزيمة، و قتل من قتل، و بايع مسلم الناس على أنهم خول [١] ليزيد يحكم في دمائهم و أموالهم و أهليهم بما شاء، انتهى.
و أخرج يعقوب بن سفيان في تاريخه بسند صحيح عن ابن عباس قال: جاء تأويل هذه الآية على رأس ستين سنة وَ لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها [الأحزاب: ١٤] يعني إدخال بني حارثة أهل الشام على أهل المدينة في وقعة الحرة، قال يعقوب: و كانت وقعة الحرة سنة ثلاث و ستين، اه.
قالوا: و كلمات امرأة مسلم بن عقبة في ولدها، و قالت: أنا مولاتك، و ابني في الأسر؛ فقال: عجلوه لها؛ فضربت عنقه و قال: أعطوها رأسه، أ ما ترضين ألّا تقتلي حتى تكلمي في ابنك؟!
قلت: و سموه مسرفا لإسرافه في القتل.
و نقل الواقدي في كتاب الحرة أن يزيد دخل على مسرف و كان قد جعله في علية لمرضه؛ فقال له: لو لا مرضك لكنت أنت صاحب هذا الأمر، لما أعرف نصيحتك، قال مسرف: أنشدك الله يا أمير المؤمنين أ لا تولي أمرهم غيري؛ فإني و الله أنا صاحبهم، رأيت في النوم شجرة غرقد تصيح بأغصانها: يا ثارات عثمان، فأقبلت و جعلت الشجرة تقول: على يدي مسلم بن عقبة، حتى جئتها فأخذتها، فعبرت ذلك أني أكون القائم بأمر عثمان؛ فهم قتلته، قال يزيد: فسر إليهم على بركة الله، فأنت صاحبهم، و انظر إذا قدمت المدينة، فمن عاقك عن دخولها أو نصب لك حربا فالسيف السيف، لا تبق فيهم، و أنهبها ثلاثا، و أجهز على جريحهم، و اقتل مدبرهم، و إياك أن تبقي عليهم، و إن لم يعرضوا لك فامض إلى ابن الزبير.
و روى ابن الجوزي من طريق المدائني عن جويرية أن مسلما نظر إلى قتلى الحرة فقال: لئن دخلت النار بعدها إني لشقي، و أسر أسرى فحبسهم ثلاثة أيام لم يطعموا،
[١] الخول: عطيّة اللّه من النعم و العبيد و الإماء و غيرهم من الأتباع و الحشم.