وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٩٣ - السابعة حكم الاستنجاء بحجارة الحرم
و قد اختار السراج البلقيني هذا الوجه، قال: لأن الخلاف في ذلك مبني على الخلاف في ضمان صيدها، و المختار عند النووي ضمان صيدها بسلب الصائد. قلت: و ما قاله متّجه؛ لعموم قوله «كما حرم إبراهيم مكة» و إنما اختصت مكة بمنع الكافر من دخولها مطلقا، بخلاف المدينة فيجوز أن يدخلها بإذن الإمام أو نائبه للمصلحة؛ لأن المشركين أخرجوا منها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) فعاقبهم الله بالمنع من دخولها بكل حال تعظيما لرسوله (صلّى اللّه عليه و سلم) و استحسن الروياني في البحر التسوية بين مكة و المدينة في أن من مات من الكفار بهما يخرج و يدفن خارجهما، و على القول باختصاصه بمكة موجبه ما قدمناه.
الخامسة: حكم لقطة حرم المدينة
سوّى صاحب الانتصار من أصحابنا بين حرم مكة و المدينة في أن لقطتهما لا تحل للتملك، بل للحفظ أبدا، و قال الدارمي: لا تلحق لقطة حرم المدينة بحرم مكة في ذلك. قلت: و الذي يقتضيه الدليل ترجيح الأول؛ للنص على ذلك في الأحاديث المتقدمة في الفصل الثامن، و إن كان الأصحاب خصوا مكة بالذكر.
السادسة: حكم المقاتلة في حرم المدينة
مقتضى قوله (صلّى اللّه عليه و سلم) في الأحاديث المتقدمة أيضا «و لا يحمل فيها سلاح لقتال» أن يأتي فيها ما نقل من الخلاف في حرم مكة من أن المقاتلة الجائزة في غيره تحرم فيه كقتال البغاة به [١]، بل يضيق عليهم إلى أن يخرجوا أو يفيئوا [٢] كما ذهب إليه جماعة.
و قال الجمهور: يقاتلون؛ لأن هذا القتال من حقوق الله، و حفظها في الحرم أولى، و الحرم لا يعيذ عاصيا. و ذهب الحسن البصري إلى أنه لا يحل لأحد أن يحمل السلاح بمكة؛ للنهي عن القتال فيه، فلا يحمل ما هو من أسبابه، و لقوله (صلّى اللّه عليه و سلم): «لا يحل لأحد أن يحمل السلاح بمكة» رواه مسلم.
السابعة: حكم الاستنجاء بحجارة الحرم
حكى الماوردي وجهين في جواز الاستنجاء بحجارة الحرم، قال ظاهر المذهب سقوط الفرض بذلك مع تأثيمه. قلت: ينبغي حمله على من نقله من الحرم ليستنجي به في الحل مثلا، و إلا فهو مشكل؛ إذ لا خلاف في إباحة البول في الحرم، فالاستنجاء بالحجارة كذلك، و عبارة شرح المهذب في النقل عن الماوردي بعد حكاية الوجهين في سقوط فرض الاستنجاء بالذهب و الديباج: و طردهما الماوردي في الاستنجاء
[١] البغاة: جمع باغي: الخارج عن القانون.
[٢] الفيئة: التوبة الحسنة.