وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٥٠ - الفصل الأول في أخذه
و قد يجمع باشتراك من ذكر في كونهما كانا في حجورهم، أو بانتقال ذلك بعد أسعد إلى من ذكر واحدا بعد واحد، سيما و قد روى ابن زبالة عن ابن أبي فديك قال: سمعت بعض أهل العلم يقولون: إن أسعدا توفي قبل أن يا بني المسجد، فابتاعه النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) من ولي سهل و سهيل.
و روى ابن زبالة في خبر: كان مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لسهل و سهيل ابني أبي عمرو من بني غنم، فأعطياه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) فبناه مسجدا.
و في الصحيح أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أرسل إلى ملأ بني النجار بسبب موضع المسجد، فقال:
يا بني النجار، ثامنوني [١] بحائطكم هذا، فقالوا: لا و الله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله.
و عند الإسماعيلي «إلا من الله» و هو ظاهر في أنهم لم يأخذوا له ثمنا.
و في رواية في باب الهجرة من الصحيح بعد ذكر تأسيس مسجد قباء: ثم ركب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) راحلته، فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول بالمدينة، و هو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، و كان مربدا للتمر لسهل و سهيل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) حين بركت به راحلته: هذا إن شاء الله المنزل، ثم دعا الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدا.
و وقع في رواية ابن عيينة: فكلم عمهما- أي الذي كانا في حجره- أن يبتاعه منهما، فطلبه منهما فقالا: ما تصنع به؟ فلم يجد بدا من أن يصدقهما، فأخبرهما أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) أراده، فقالا: نحن نعطيه إياه، فأعطياه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) فبناه، أخرجه الجندي. و طريق الجمع بين ذلك- كما أشار إليه الحافظ ابن حجر- أنهم لما قالوا لا نطلب ثمنه إلا إلى الله سأل عن من يختص بملكه منهم، فعينوا له الغلامين، فابتاعه منهما أو من وليهما أن كانا غير بالغين. و حينئذ فيحتمل أن الذين قالوا: «لا نطلب ثمنه إلا إلى الله» تحملوا عنه للغلامين بالثمن، فقد نقل ابن عقبة أن أسعد عوّض الغلامين عنه نخلا له في بني بياضة.
و تقدم أن أبا أيوب قال: هو ليتيمين لي، و أنا أرضيهما، فأرضاهما، و كذلك معاذ بن عفراء، فيكون ذلك بعد الشراء. و يحتمل أن كلا من أسعد و أبي أيوب و ابن عفراء أرضى اليتيمين بشيء، فنسب ذلك لكل منهم. و قد روي أن اليتيمين امتنعا من قبول عوض، فيحمل ذلك على بدء الأمر، لكن يشكل على هذا ما نقل عن التاريخ الكبير لابن سعد أن الواقدي قال: إنه (صلّى اللّه عليه و سلم) اشتراه من ابني عفراء بعشرة دنانير ذهبا، دفعها أبو بكر الصديق، و قد يقال: إن الشراء وقع من ابني عفراء لأنهما كانا وليين لليتيمين، و رغب أبو بكر في
[١] ثامنوني بحائطكم: ساوموني بحديقتكم.