وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٤١ - المدينة تنفي الخبث
أحد رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرا منه، ألا إن المدينة كالكير تخرج الخبث، لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد».
و في الصحيحين: «أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون يثرب و هي المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد» و في رواية لابن زبالة: «إن المدينة تنفي خبث الرجال» و في رواية: «خبث أهلها كما ينفي الكير خبث الحديد». و في صحيح البخاري حديث: «إنها طيبة تنفي الذنوب كما ينفي الكير خبث الفضة».
و في الصحيحين قصة الأعرابي الذي جاء من الغد محموما فقال: أقلني بيعتي، فأبى (صلّى اللّه عليه و سلم) فخرج الأعرابي، فقال (صلّى اللّه عليه و سلم): «إنما المدينة كالكير تنفي خبثها و تنصع طيّبها».
قوله: «أقلني بيعتي» أي: انقض العهد حتى أرجع إلى وطني، و كأنه كان قد بايع على هجرة الإقامة. و قوله: «تنفي خبثها» يحتمل أن يكون بمعنى الطرد و الإبعاد لأهل الخبث، و قصة الأعرابي المذكور ظاهرة فيه، و خصه ابن عبد البر بزمنه (صلّى اللّه عليه و سلم) و الظاهر كما قال النووي عدم التخصيص؛ ففي الصحيح: «لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها» يعني عند ظهور الدجال، و سيأتي في الفصل الخامس في حديث أحمد و غيره برجال الصحيح قصة خروج من بالمدينة من المنافقين إلى الدجال، ثم قال: «و ذلك يوم التخليص، ذلك يوم تنفي المدينة الخبث» و قال عمر بن عبد العزيز مشفقا إذ خرج منها لمن معه: أ تخشى أن نكون ممن نفت المدينة؟ و قد طهرها الله تعالى ممن كان بها من أرباب الأديان المخالفين لدين الإسلام، و أهلك من كان بها من المنافقين، و هؤلاء هم أهل الخبث الكامل، و من عداهم من أهل الخبث و الذنوب قد يكون طرده و إبعاده إن استمر على ذلك بآخرة الأمر بنقل الملائكة له إلى غيرها من الأرض كما أشار إليه الأقشهري قال: و يكون قوله: «تنفي خبثها، و تنفي الذنوب» أي أهل ذلك، على طريقة حذف المضاف، و يحتمل أن يكون بمعنى طرد أهل الخبث الكامل، و هم أهل الشقاء و الكفر، لا أهل السعادة و الإسلام؛ لأن القسم الأول ليس قابلا للشفاعة و لا للمغفرة، و قد وعد (صلّى اللّه عليه و سلم) من يموت بها بالشفاعة لهذا وجب انتفاء القسم الأول منها، و يحتمل أن يكون بمعنى تخليص النفوس من شرهها و ميلها إلى اللذات بما فيها من اللأواء و الشدة، و يؤيده رواية «إنها طيبة تنفي الذنوب» الحديث، و يكون نفيها للذنوب على ظاهره، سيما و قد اشتملت على عظيم المضاعفات، و تنوع المثوبات، و توالي الرحمات، و قد قال تعالى:
إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [هود: ١١٤] مع ما لأهلها من الشفاعة و الشهادة الخاصة، و ما بها من تضاعف البركات، و يحتمل أن يكون بمعنى أنه لا يخفى حال من انطوى فيها على خبث، بل تظهر طويته كما هو مشاهد بها، و لم أر الآن من نصّ على هذا الاحتمال،